1
اكتب تعليقُا

“متل ما قال زياد”

قبل رحيل زياد بيوم، كنت في حوار وقلت -للمرة المليون في حياتي- “متل ما قال زياد”. كان حديثاً عن أنّي، مثله، أترك أموري لله كي يرتّبها، ما أذكر أنه اقتباس من مسرحية “فيلم أميركي طويل” (لن أتحقق من المعلومة لتبقى عفوية).

لو كان لأحدنا أن يقتبس في كلامه من موسيقى زياد الرحباني، لما قصّر. الاقتباس إشارة للتأثّر، وأكثر ما أجدني به، وغيري كثير، اقتباساً في الكلام اليومي، يأتي من تسجيلات زياد الإذاعية ومسرحياته. ولا أكترث لمدى إدراك محدّثي بذلك، أو إمكانية استعادته للمرجعية التي، في سياقها المسرحي مثلاً، تحمِّل كلماتي سياقاً أبعد، تحمّلها مشهداً مسرحياً كاملاً، فيمتد الضحك من العبارة الملقاة إلى غيرها لاحقة أو سابقة.

لا أكترث إن لم يلتقط محدّثي في كلامي -وأحياناً يكون بالإنكليزية أو الفرنسية- السياقَ الزياديّ لما قلته للتو، وغالباً لا يلتقط شيئاً. ولا أستطيع النفي، تماماً، بأني لم أقل، بغير العربية، “كما قال زياد مرّة”، بفرنسيةٍ مطحبَشة أقرب إلى إنكليزية زياد.

ولا تكون الاقتباساتُ منقطعة عن سياقها. هي كذلك لحظةَ استعادتها في حديث لا يهمُّ إن فهم السامع أبعادَه أم لا، يكفي أني أحترفها، متفحّصاً إمكانيةَ إلقائها في مكانها الصحيح -مكانها دائماً صحيح طالما أن محدّثي لا يدركها- فأضحكُ عليها، لوحدي، مستحضراً استتباعاتها المسرحية كما أعرفها، أقول “كما قال زياد”، وألقي الاقتباسَ ثم أضحك. ليظنّني محدّثي مفتعلاً الضحكَ على كلام كنت للتو جاداً فيه، وصار فجأة، بلا مبرّرات ولا مقدّمات، مستدعياً للضحك، وهذا الأخير قد يتدهوَر إن انهمرت عليّ، خلال حديثي الذي بدأ يتحوّل أكثر نحو الإبهام، مَقاطعُ من المسرحية ذاتها، أو غيرها، أو تعليقات إذاعية. فأدخل في الهَسترَة.

“البيان الشيوعي” مثلاً. قرأناه، ثم التوطِئات والشروحات المرفَقة مع كل طبعة جديدة إلى فترة محدَّدة ما عاد أحدُنا يجد جديداً فيها، لكن الشروح الألطف تبقى دائماً لزياد، أينما تكلَّم، بدءاً من برامجه “تابع لشي تابع شي” و”بعدنا طيبين قول الله” و”العقل زينة” وامتداداً بمسرحياته، وصولاً إلى لقاءاته التلفزيونية لاحقاً ومقالاته الصحافية.

هذه كلّها، بمجموعها، شروحٌ هي الأكثر دقةً وتكون مُقاسةً بالكلمة، لبيان ماركس وإنجلز، والأكثر انسجاماً مع واقعنا اللبناني/الفلسطيني. ثم قرأنا مهدي عامل واستهدينا بتعليق ساخر أو مشهد مسرحي لزياد كي نفهم، أفضل، ما قرأناه. قرأنا حسين مروة وعدنا مجدداً إلى زياد، إلى مزحة كلامية منه، كي نفهم أكثر، مثلاً، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.

“متل ما قال زياد” قد لا تعود، كذلك وفقط، إلى أبو الزّوز. بل تمتد منه إلى آخرين استولت نكتةٌ من زياد، أو كلمات أغنية، على صفحات فكرية تعِبنا حتى فهمناها أو ظننّا أنّنا فهمناها. “متل ما قال زياد” تعمُّ الفلسفةَ والسياسة والاقتصاد. تَدخل في حديث على سكرةٍ ليلاً وتَخرج في صفحات مطبوعة صباحاً.

لا يقرّر أحدنا القول “متل ما قال زياد”. لحظة، “من هذا الـ زياد؟” سؤال لا أذكر أني سمعته من محدّثٍ لي، فلا فرصة له فيه. أكون قد قلتُها وقلتُ ما قاله زياد فضحكتُ على المُقال، أثناءَ قوله وبعده، وعلى غيره من مشهد آخر لمسرحية أخرى لزياد نفسه، وأكملت حديثي من دون أيّ اعتبار لمحدّثي في حيرته لسببِ ضحكي ثم تدحرجي بالضحك، فأجرفُه معي بعيداً عن احتمال سؤاله “من هذا زياد أصلاً؟”. ومتى كان محدّثي لئيماً مصرّاً على مقاطعتي، أجيب “حدا بعرفه”.

شكراً زياد على هذه المعرفة، شكراً لأننا صرنا ماركسيين بفضلك بقدرٍ لا يقل عنه لغيرك، شكراً لأنك أضحكتَنا قدّ الكون، ثم جعلتَنا نفكّر على وِسع الكون، ثم أضحكتَنا، ثم أبكيتَنا، من الضحك أقصد. ثم أبكيتَنا، من الفُراق.

“متل ما قال زياد”

 

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.