من بعد المقالة السابقة والتي تناولت الأقسام الرسمية لمهرجان كان السينمائي وحضور الأفلام الفلسطينية فيها، أكمل هنا الحديث في المهرجان الفرنسي ذاته لكن بأقسامه الموازية.
كان لفلسطين حضور متفاوت في الاختيارات الرسمية، محصور بـ ٣ أفلام لإيليا سليمان في “المسابقة”، وبفيلم ليسري نصر الله في “خارج المسابقة”، و بـ ٧ أفلام في “نـظرة ما”. وتمتد الأقسام الرسمية إلى “العرض الأول” و”العروض الخاصة” و”عروض منتصف الليل”، ولم يكن لفلسطين أي حضور فيها.
بموازاة ذلك، للمهرجان أقسام تحيط بالاختيار الرسمي، لها مبرمجوها من خارج الإطار الرسمي للمهرجان. من بينها حضر اسمُ فلسطين في قسمَي “أسبوع النقد” و”أسبوعا المخرجين”. هنا، أحصر المقالة في الأقسام الموازية للمهرجان، بذلك تكون المقالتان، هذه وتلك في الأسبوع الفائت، قد شملتا المشاركات الفلسطينية كافة في مهرجان كان السينمائي، من الفيلم الروائي الأول لفلسطيني، “عرس الجليل”، ومن قبله فيلم “المخدوعون”لتوفيق صالح، إلى دورة هذا العام، وقد كان الحضور في المهرجان الفرنسي هو الأكبر لفلسطين من بين المهرجانات العالمية الثلاثة الكبرى، كان وفينيسيا وبرلين.
الأبرز ضمن الأقسام الموازية هو “أسبوع النقد” (Semaine de la critique)، يُترجم خطأً إلى العربية بـ “أسبوع النقّاد”، وهي ترجمة للاسم الإنكليزي للتظاهرة (Critics’ Week). هو الأقدم من بين الأقسام الموازية، استُحدث عام ١٩٦٢ من قبل “النقابة الفرنسية للنقد السينمائي” التي تديره حتى اليوم. التظاهرة التي تمنح مساحة أولى للشباب، تشمل عروضاً خاصة، وفيها مسابقة لكل من الفيلم القصير والفيلم الطويل محصورة بأول وثاني فيلم لصانعه. لفلسطين حضور قليل في “أسبوع النقد”، بدأ مع رشيد مشهراوي عام ١٩٩٤ في “حتى إشعار آخر”، واستمر مع هاني أبو أسعد عام ٢٠٠٢ بفيلم “عرس رنا”، ثم “عطش” عام ٢٠٠٤ لتوفيق أبو وائل، وأخيراً، قبل عقدٍ من اليوم، “ديجراديه” عام ٢٠١٥ لطرزان وعرب ناصر.
الثاني من حيث الأهمية في الأقسام الموازية ضمن مهرجان كان السينمائي، هو “أسبوعا السينمائيين” (Quinzaine des cinéastes)، وكان البوابة الأولى لفلسطين مع فيلم روائي طويل عن فلسطين، منذ السبعينيات. وهو القسم الأكثر سياسيةً وجرأة في المهرجان. أُنشئ عام ١٩٦٩ من قبل جهة جديدة آنذاك هي “جمعية مخرجي الأفلام”، وكان قسم “أسبوعا المخرجين” ثمرة ثورات مايو ٦٨ في باريس وضواحيها. أتى إنشاؤها رداً على التواطؤ والاعتبارات الجيوسياسية المحدودة للاختيارات الرسمية آنذاك. واتخذ القسم لنفسه عام ٢٠٢٢ اسماً جديداً، “سينمائيين” بدل “مخرجين”، لأن “السينمائيين” أشمل من “المخرجين” مهنياً، ولأن الكلمة بالفرنسية تشمل كلا الجنسين، نساءً ورجالاً.
الدورة الأولى لهذا القسم التي كانت منافساً وبمكانة البديل للمهرجان برمته، شملت ٦٥ فيلماً روائياً طويلاً. ذلك قبل أن يتخذ القسم عدداً من الأفلام لدوراته لا يتعدى ٢٠ فيلماً طويلاً، إضافة إلى الأفلام القصيرة. وهي أفلام تتراوح بين الراديكالية والفنية، بمواضيع أكثر سياسية من غيرها في أقسام أخرى. القسم غير تنافسي، وإن لم يمنعه ذلك من منح جوائز خاصة. لكنه بدأ منذ العام ٢٠٢٤ بمنح “جائزة الجمهور”. في كل الأحوال، لأفلامه إمكانية التنافس على الجوائز العابرة للأقسام في المهرجان، كجائزة “الكاميرا الذهبية” التي تُمنح لأفضل أول فيلم روائي طويل لصانعه، وهي جائزة تَعبر كافة أقسام المهرجان، رسمية وموازية. وكجائزة “العين الذهبية” التي تُمنح لأفضل وثائقي، وكجائزة “السعفة الكويرية” التي تُمنَح لأفضل فيلم بموضوع مجتمع الميم (LGBT)، إضافة إلى “سعفة الكلب” والتي تُمنح لأفضل أداء لكلب في فيلم.
أعوام قليلة إثر إنشاء هذه التظاهرة، حضر فيلم فلسطيني عربي هو “المخدوعون” للمصري توفيق صالح، بإنتاج سوري. الفيلم المأخوذة قصته عن رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني. هي التظاهرة الأقرب إلى موضوع راديكالي وسياسي كالفلسطيني، بالنسبة لمبرمجين فرنسيين، الأقرب مما يمكن أن تكونه أقسام أخرى في المهرجان، لذلك أيضاً ندرك أن أوّل فيلم لفلسطيني في المهرجان كان من خلال هذه التظاهرة، ميشيل خليفي بفيلمه “عرس الجليل” عام ١٩٨٧. تلاه خليفي عام ١٩٩٥ بفيلمه “حكاية الجواهر الثلاث”. غاب الفلسطينيون عن القسم زمناً طويلاً تخلله فيلم قصير لإيليا سليمان عام ٢٠٠١ هو “سايبر فلسطين”، قبل أن تعود إلى التظاهرة شيرين دعيبس عام ٢٠٠٩ بفيلمها “أمريكا”. غاب الفلسطينيون طويلاً كذلك قبل أن يعود مهدي فليفل عام ٢٠٢٤ بفيلمه “إلى أرض مجهولة”.
أجدد الأقسام الموازية للمهرجان هو “أسيد” (Acid) الذي استُحدث عام ١٩٩٣ من قبل “جمعية السينما المستقلة لتوزيعها – أسيد” لدعم السينما المستقلة ذات الميزانيات المنخفضة والتي تتخذ أساليب غير تقليدية في السرد والإخراج، وفيها حضور قوي للأفلام الأولى لأصحابها وللوثائقيات. وهي الوحيدة من بين جميع الأقسام الرسمية والموازية، التي يتشكل فريق برمجتها من السينمائيين. هذا القسم، كسابقه كذلك، غير تنافسي، لكن لا تنافسيته تامة هنا، إذ لا يمكن لأفلامه التسابق على جوائز “الكاميرا الذهبية” أو “العين الذهبية” وغيرهما من الجوائز العابرة للأقسام. ولم يشمل القسم أي فيلم فلسطيني سوى فيلم الإيرانية سيبيديه فارسي هذا العام، “ضح روحك على كفك وامشِ” الذي تناول قصة المصورة فاطمة حسونة التي قتلها الاحتلال مع عائلتها بقصف لبيتها.
قسم موازٍ أخير في المهرجان، لا مكان لأفلام فلسطينية فيه حتى الآن، هو “كلاسيكيات كان” (Cannes Classics) الذي استُحدث عام ٢٠٠٤. ومن اسمه، يعرض القسم أفلاماً من التاريخ السينمائي للعالم، بنسخٍ مرمّمة، وهذه ميزته، إذ يطلق المهرجان مع كل دورة نسخاً مرمَّمة حديثاً من أفلام عالمية، إضافة إلى أفلام، وثائقيات تحديداً، تتناول أسماء كبرى من تاريخ السينما، في سيَر ذاتية وغيرها.
إضافة إلى كل ما ذكر، يبقى كلام سريع عن الأفلام القصيرة والوثائقيات. وكان للقصيرة حضور فلسطيني، وهو ضمن مسابقة للقصيرة في “الاختيار الرسمي”، أذكر منها “كوندوم ليد” للأخوين ناصر عام ٢٠١٣، و”السلام عليك يا مريم” لباسل خليل عام ٢٠١٥، و”رجل يغرق” لمهدي فليفل عام ٢٠١٧، وآخرها “أنا سعيد بأنك ميّت” لتوفيق برهوم عام ٢٠٢٥، الوحيد الذي نال من بين الأفلام القصيرة جائزة في المهرجان، وكانت “السعفة الذهبية” لأفضل فيلم قصير.
يمكن لهذا العرض للحضور الفلسطيني في الأقسام الرسمية والموازية لمهرجان كان السينمائي ملاحظة غياب شبه تام للوثائقيات، ولذلك أسباب ألخّصها في التالي: اكتراث المهرجان في كافة أقسامه بالأفلام الروائية أولاً، فحصة الوثائقي فيه ضئيلة مقابل الروائيات، وبالتالي المنافسة فيه تكون عالية. هذا من جانب المهرجان، أما من جانب الأعمال الفلسطينية، فهي حاضرة بشكل أكبر في مهرجانات أخرى كمهرجان برلين السينمائي الذي يمنح مساحة أكبر للوثائقيات في أقسامه مقابل الروائيات، بالمقارنة مع المهرجان الفرنسي، كما أن مهرجانات أخرى متخصصة بالوثائقيات، تجد الأعمالُ الفلسطينية ضالتَها فيها، لسهولة “اقتحامها” أولاً، وثانياً وهو الأهم، جاهزية المهرجانات الوثائقية، لطبيعتها، لاستقبال أفلام بمواضيع سياسية وتاريخية حساسة وبمقاربة جريئة لا تغبن بالضرورة الحق الفلسطيني، فشرط المساومة المفروض غربياً أشد في الروائيات منه في الوثائقيات.
ليست الأفلام في هذا المهرجان أفضل بالضرورة من غيرها في غيره، فاعتبارات المبرمجين في أي مهرجان لا تغيّر من مدى جودة الفيلم المكتمل مسبقاً قبل عرضه في المهرجان، بل إن اعتبارات سياسية لا-فلسطينية تكون بالضرورة عاملاً مؤثراً في اتخاذ قرار البرمجة من عدمه، في كان قبل برلين وفينيسيا. لكن تبقى المسابقة الرسمية هنا أهم، سينمائياً، من المسابقة الرسمية في مهرجانات أخرى، ويبقى لشعار السعفة على ملصق الفيلم، إن كُتب أسفلها “المسابقة” أو حتى “نظرة ما” يبقى له انطباع أولي تجاه فيلم استطاع الخوض والوصول إلى الاختيار الرسمي.
كذلك الأقسام الموازية، لها سحرها “الكانيّ” الواصلة إليها نهاياتُ بريق المهرجان وسعفته المنتشَلة من أشجار النخيل المنتشِرة على جوانب شارع المهرجان، الكروازيت.
