معروف أن الإشارة إلى المأساة اليهودية إبان الحرب العالمية الثانية، استحسانٌ هوليوودي، وأن الإشارة هذه بتحوّلها إلى أساس للفيلم، يصبح الاستحسان تكريماً اضطرارياً، وأعلى التكريمات هناك هي جوائز الأوسكار. استحق الفيلم ذلك سينمائياً أم لم يستحق، فهذا اعتبار آخر، هو سينمائي يوازي السياسي.
فيلم “الوحشي” (The Brutalist) للأمريكي برادي كوربيت، يخوض في هذه التعقيدات. هو فيلم ممتاز، استحق أن ينافس غيره، لكنه يمتاز عن باقي المتنافسين لا بإشارات لمأساة اليهود في أوروبا، بل بربطٍ بينها وبين تأسيس دولة إسرائيل باعتبارها ملجأً أخيراً للهاربين من مأساتين، في أوروبا وفي الولايات المتحدة، كما سنرى مع لازلو، الشخصية الرئيسية. في هذا الفيلم أسباب غير سينمائية للتنافس، تصفّ إلى جانب أخرى سينمائية قد تكفي للترشح لجائزة أفضل فيلم لكن لا ليزاحم بعض الأفلام المرشحة للفئة ذاتها، تحديداً “أنورا” الذي استحوذ على أهم الأوسكارات.
الفيلم الممتد لثلاث ساعات ونصف الساعة، وقبل الأوسكارات التي كسبها (التصوير، الممثل، الموسيقى) نال جوائز حامت حول الإخراج والتصوير، منذ عروضه الأولى في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، من دون الوصول بأمان إلى جوائز أفضل فيلم، سوى في الغولدن غلوبز وكان في فئة الدراما.
يحكي “الوحشي” إذن عن لازلو، معماري من بودابيست، من خريجي مدرسة باوهاوس وصاحب تصاميم مبنية في بلاده، وهو يهودي هارب من جحيم النازية وحربها، واصلاً إلى الولايات المتحدة عام ١٩٤٧. في العالم الجديد الذي يصله برؤية لتمثال الحرية مقلوباً، يجد فرصة لتصميم أثاث في متجر لأحد أقربائه، قبل أن يصله عرضٌ من ثري أمريكي، بروتستانتي، لتصميم مبنى ضخم، تجمّع رياضي ترفيهي يضم في منتصفه كنسية. يجول الفيلم بمعظمه في هذه الرحلة من الصعود والهبوط في عملية البناء، إلى أن تتوقف فتُستأنف، فتكتمل بعد أعوام طويلة.
لا تخبو علامتان جماليتان في الفيلم، التصوير والتقطيع. كما هي مباني “العمارة الوحشية” تطوِّع الاسمنت وتعامله كالصلصال، تدوِّره وتكوّره ضمن مستويات مسطحة مستطيلة، تتمرد على المقبول والمألوف، كذلك كان مونتاج “الوحشي” المتفاوت في أساليبه، السريع في نواحٍ كأنها انزلاقات على تكوّر كونكريتي، والمستقر المستطيل في نواحٍ أخرى. الألوان معالجَة بطريقة تمنح روحيّة خمسينيات وستينيات حداثية من القرن الماضي، وكذلك الصورة الباهتة المظلَّلة، بتقنية “فيستافيجن” في عدسة ٣٥ ملم. هذا كله جعل من الفيلم أقرب إلى مادة خام، كحجارة المباني “الوحشية”، كالعَمارة التي تصوّرها، ابنة عامها، خارجة، صوتاً وصورةً وقصةً، للتو من ظلامية الحرب وما رافقها من فاشية، وما تلا الحرب من استهلاكيةٍ لمجتمع رأسمالي رافق حالة ما بعد الحرب، النهوض الاقتصادي والثقافي في الولايات المتحدة تحديداً، المستفيدة الوحيدة من دمار أوروبا. ليكون لازلو، أخيراً، ضحية الحالتين.
هارباً من النازية إلى “الحلم الأمريكي”، ارتطم الرجل، بوصفه مهاجراً ثم يهودياً، برأسمالية جعلت منه ضحية مضاعَفة، فما كان من الثري البروتستانتي سوى أن استغل المعماريَّ المهاجر، مُوقفاً العمل قبل أن يستعيده، تماماً كما يؤثث أحدنا مطبخه، كما قالت زوجة لازلو. وذلك قبل أن يغتصبه، ويطرده وزوجتَه. فكما كانت الفاشية مبعث مأساة للازلو اليهودي، كانت الرأسمالية مبعث مأساة أخرى للازلو المهاجر.
إلى هنا، لدى الفيلم مسار كافٍ ليصنع سرداً يوازي جماليات الصورة، في تقابل الفاشية والرأسمالية، من جهة، مع لازلو اليهودي في المَجر والمهاجر إلى أمريكا، من جهة أخرى. ذلك من دون الاضطرار لإيجاد مَخرج، وهذا واحد من العيوب الكبرى في عموم سينما الاستديوهات الأمريكية، والممتدة إلى تلك المستقلة كما هو حال هذا الفيلم. هنالك شعور سينمائي أمريكي، بخلاف غيره كالأوروبي، بضرورة “إكمال” القصة بإغلاقها، بمنح الشخصية مَخرجاً، بالإفراج عن المشاهدين من الصالة بشعور الراضين، وذلك يكون بالنهايات السعيدة عادة، الإنجازية، الاسترخائية الكاثارسيزيّة. ولا يأتي ذلك سوى بتبسيط القصة وإنزالها إلى نهاية ختامية استنتاجية، كحكايات الأطفال الساذجة والتبسيطية. فكان المَخرج من كلا البؤسين، بالدولة اليهودية الوليدة، الملجأ الأخير، بحسب الفيلم، ليهودي ظُلم مرّتين.
بخلاف العديد من المعماريين “الوحشيين”، المهاجرين من أوروبا الشرقية إلى إسرائيل قبل إنشائها وبعده، اختار لازلو (شخصية خيالية) الولايات المتحدة، وفي مشهد باكر اختار المخرجُ التفنّنَ في الموازاة بين خطاب أول رئيس وزراء إسرائيلي، بن غوريون، يعلن فيه إنشاء الدولة، وبين مَشاهد متسارعة متقطّعة للازلو يعمل لأول مرة على تصاميم لأثاث من وحي الباوهاوس الحداثيّ، في معنى ثنائيٍّ لفكرة اليهودي المهاجر المأسِّس لحياة جيدة، مع إغفالٍ تام من الفيلم “التاريخي” لحقائقَ تاريخية في طبيعة التأسيس الاستعماري في خطاب بن غوريون، وتناقضه مع التأسيس المعماري والتصميمي لمهاجرٍ وصل إلى بلاد جديدة مستجيراً لا مستعمِراً. هذا التناقض الدلالي أبقى الفيلمَ محصوراً بجمالياته التقنية والبصرية. فالفيلم تاريخي الأحداث وإن بشخصيات خيالية، يفقد أسسه ما لم يكن مدركاً للسياق التاريخي لشخصياته وأحداثه. أما الأسوأ فيكون في إدراكٍ تزييفي للسياق.
في منتصف الفيلم تقرر ابنة أخيه الهجرة إلى إسرائيل، كفعل طبيعي لكونها يهودية كما تقول. يحاول لازلو محاججتها، ويسألها، وزوجتُه، محتجَّين، إن لم يكونا يهوديين كفايةً ببقائهما في الولايات المتحدة. ما منح الفيلم توازناً أخلاقياً، سيبدو ساذجاً، قبل أن يفقده في الختام.
يقفز الفيلم أعواماً إلى الثمانينيات، في مَشاهد أخيرة، في بينالي البندقية للعمارة وجناح إسرائيل فيه، لعرض أعمالٍ للازلو المسن المقعَد، أعمال من الولايات المتحدة وليست إسرائيل، لتقول ابنة أخيه وقد كبرت، على لسانه تجاهها: “لا تدعي أحداً يخدعك يا صوفيا -يكاد يقول لي وأنا أمٌّ تكافح لتربية ابنتها في سنواتها الأولى في القدس- لا يهم ما يحاول الآخرون إقناعك به. إنها الوجهة، لا الرحلة.”
لازلو إذن، الهارب من المحرقة، كاد أن يجد ضالته في “أرض الأحلام”، لو لم يرتطم بمستغِّل ومغتصِب. هربت ابنة أخيه بعد تحرشات ابن المغتصِب، إلى “أرض الميعاد”، لتلحقها زوجته قائلة له “تعالَ معي إلى الوطن”. يُختتم الفيلم بإشارات غامضة حول لازلو شخصياً، الذي قال لزوجته إنه سيلحقها أينما ذهبت، ثم لا نعرف، بقفزات الفيلم الزمنية، إن كان هاجر إلى إسرائيل التي مثّلها في بينالي البندقية أم بقي في الولايات المتحدة. هِجرته من عدمها تبقى بغموضها تفصيلاً في سياق أعمّ كان لازلو غارقاً فيه، هو أن إسرائيل تمثّل ما لم تمثّله الولايات المتحدة ليهود أوروبا، وإن كان لازلو في شبابه يظن أن الولايات المتحدة ومشروع التصميم المعماري الضخم الذي يتولاه، أنها ملجأه الأخير، أنها وجهَته لا رحلته.
الفيلم، ختاماً، يشي بأنّ الخلاص لا يكون سوى بالأرض الموعودة، بعد الاستغلال والاغتصاب في أرض الأحلام، وأنّ سذاجة لازلو الشاب في أنه ليس أقل يهودية من غيره ببقائه في الولايات المتحدة، ستتشتّت، بإنهاء “شتات” عائلته وتجمّعها في إسرائيل ثم تمثيل الدولة العبرية رسمياً في فينيسيا. فالقدس كما نقلت عنه ابنة أخته، الوجهة وليست الرحلة.
الفيلم، بمعزل عن امتيازه قصةً وصورة، هو رسالة صهيونية عن اليهودي التائه، ما إن يلتقط أنفاسه هارباً من الفاشية الأوروبية حتى تنقطع بفعل الرأسمالية الأمريكية، فيواصل تيهَه ورحلته إلى أن يصل وجهته، القدس. أما السياق التاريخي لكل ذلك، فتزييفه نقضَ وقائع الفيلم الخياليّ، وجعله قصةً خرافية لا تخلو من تشويق، وقصّةَ نجاح أمريكية… في إسرائيل.
