1
اكتب تعليقُا

“شكراً لأنك تحلم معنا”… اكتفاء باللطف والخفة

السينما الفلسطينية نسائية ونسوية، وهذا واحد من المميزات القليلة لها. نسائية للنسبة الجيدة للنساء في هذه الصناعة، تحديداً في الإخراج، بل، أكثر من ذلك، للجودة العالية نسبياً لأفلام أخرجتها نساء، في عموم سيرة السينما الفلسطينية، أفلام لمها حاج وآن ماري جاسر ونجوى نجار وفرح نابلسي وغيرهن. ولكل من هذه الأسماء إضافتها الخاصة إلى هذه السينما، بتفاوت المستويات والموضوعات والمقاربات.

وهذه السينما كذلك نسوية، لطبيعة الشخصية النسائية في أفلام هذه الأسماء وغيرها، وموقع هذه الشخصية ضمن السردية السينمائية. يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى مكانة المرأة في الواقع الفلسطيني، داخل البلاد حيث تجري كافة القصص السينمائية الفلسطينية، باستثناءات قليلة جداً، وهو واقع نضالي انعكس على أفلام سياسية أكثر من كونها اجتماعية، منطلقة من الواقع. وحقيقة الكم والنوع العاليين نسبياً، للنساء في صناعة الأفلام الفلسطينية، جعل من هذه السينما حسّاسة في التقاط دور النساء في الواقع وبالتالي إمكانية نقله إلى الشاشة، وطبيعة ذلك النقل.

هي إذن سينما نسائية ونسوية، وهذا الفيلم، “شكراً لأنك تحلم معنا”، وهو الروائي الطويل الأول لمخرجته ليلى عباس، يضيف إلى الكلام أعلاه. هو أقرب إلى فيلم روائي آخر وحيد لمخرجته هو “فيلا توما” لسهى عرّاف، في حصر القصة ضمن مجموعة من النساء، بإزاحة شخصية الرجل إلى الثانوية لردم مواقع في القصة تتطلب حضور الرجل، ليكون هذا الأخير، في فيلم عرّاف، مكمّلاً لقصّة أربع نساء تتقاطع وتتمركز حول واحدة منهن. وهو كذلك أقرب إلى فيلم روائي آخر وحيد لمخرجته مي مصري هو “٣٠٠٠ ليلة”، حيث يحكم سياقُه وهو سجن نسائي إسرائيلي، في حصرية الشخصيات الرئيسية والثانوية بالنسائية. في فيلم ليلى عبّاس، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان لندن السينمائي الأخير، تتمحور القصة حول نساء أساساً، شقيقتين في مدينتهما رام الله، من دون حصرية ضرورية لهن، ومع تناول لشخصيات الرجل، أمعن الفيلم في تنميطها فتسبّب بخلل في القصة، برجالها ونسائها.

الفيلم أضاف إلى كل من نسائية السينما الفلسطينية ونسويتها في التركيز على همٍّ نسائي في مسألة محلية. فيه منسوب اجتماعي كان واجهةَ القصة، يفوق السياسي المكتفي بالخلفية والمنحصر في اشتباكات بين شبّان وجيش الاحتلال، تمرّ سريعاً كما تمرّ الشقيقتان بالاشتباكات في السيارة. هذا المنسوب الاجتماعي الفائض أزاح الشراكة النضالية لكل من الرجل والمرأة الفلسطينيين إلى خلفية معتمة، بخلاف ما أظهرته عموم السينما النسائية الفلسطينية، مقدّماً، الفيلم، العلاقةَ الاجتماعية والعائلية التي تجمع بين الرجل والمرأة إلى الواجهة، ما يغيّر في العلاقة بينهما، في تموضع كل منهما تجاه الآخر، فتعلو سطوةُ الرجل وسيطرتُه، الأخ والزوج والصاحب. هذا ما نشاهده هنا بشكل أتاح له ابتعادُه عنوةً عن السياسي، انفراداً اجتماعياً واسعاً في الفيلم. لكن، كذلك، كان لهذا الابتعاد والانفراد جنوحه إلى القطع بين الرجل والمرأة، فخلا الفيلم من تشابك العلاقات الإنسانية متوجهاً إلى التبسيط في علاقة النساء بالرجال حولهن، فكلّ الرجال هنا أشرار.

يدور الفيلم حول شقيقتين، نورة التي تعيش مع والدهما، ومريم التي تعيش مع أسرتها. يموت الوالد وتسعى الشقيقتان إلى الحصول على المال في حسابه المصرفي قبل معرفة شقيقهما واستيلائه على المال. تمضيان الفيلم بأكمله في هذه المحاولات، من دون لحظة حزن واحدة. والامرأتان لا تبدوان ماديّتَين أو منعدمتَي الإحساس حتى نصدّق خلوَّ مشاعرهما من الحزن تجاه والدهما. واقعية المشاعر في الفيلم أصابها الخلل من لحظة عِلم الشقيقتين بموت الوالد أول الفيلم، مستمّراً، الخلل المشاعري، إلى اللقطة الأخيرة، الانتصارية الهزلية، من بعد نيلهما كل ما في حسابه المصرفي. اللحظة الوحيدة التي تقرّبت فيها الشقيقتان من والدهما الميت كانت خلال قراءة آيات على روحه وهو مدد على السرير، وكانت أقرب إلى كوميديا مفتعَلة وفي غير وقتها، أقرب منها إلى لحظة حميمية لهما مع والدٍ كان، كما فهمنا، طيباً معهما. كان الميّتُ الرجلَ الصالح الوحيد في الفيلم، فقد أوصى ابنته نورة بأن تتقاسم ما في حسابه المصرفي مع شقيقتها، من دون شقيقهما. الوالد إذن هو الوحيد الطيّب، كرجل، رغم ذلك لم يستحق، بوصفه والداً وطيباً، مشاعر حزن في الساعات الأربع والعشرين التالية لموته، من ابنتيه غير اللئيمتَين أصلاً. هذا خلل آخر، شخصيّاتي ممتد على طول الفيلم. فلا نحن نقتنع بمشاعر المرأتين، ولا نحن نقتنع بسَير الشخصيتين تبعاً لمشاعر إن حاولنا، افتراضاً، تخطّي الخلل فيها.

كان هذا الرجلَ الطيب، أما الرجال الآخرين، وهذا مكمن خللٍ أساسي في الفيلم يجعل شخصياته حالات كاريكاتورية، فكانوا جميعاً أشراراً، كما تكون الشخصيات في قصّة تعليميّة. ليست المسألة في أن لا رجل طيباً في الفيلم. يمكن للرجال أن يكونواً أشدّ شراً، بكثير، مما صوّره الفيلم، فلسنا هنا أمام استمارة لا بد من ملئها. لكن المادة السينمائية تحتاج أن تكون أكثر تشابكاً مع الواقع وتعقيدات الناس ونفسياتها، رجالاً ونساء، إلا إن كنّا أمام درس تنميطي تطلَّب شدّة في الوضوح وبالتالي تبايناً شاسعاً فاقداً للتعقيدات الإنسانية.

الرجال كلهم أشرار، الشقيق اللئيم يعيش في الولايات المتحدة وسيأتي متأخراً في عزاء الوالد. محاولات الشقيقتين أساساً كانت لتفادي استحواذه على ما سترثانه في والدهما. هو إذن شقيق بعيد لا يأتي إلى البلاد والعائلة. وهو، وإن لم نرَه بالمرة، المحفّز للشقيقتين في الاستيلاء سريعاً على الحساب المصرفي للوالد. رجل آخر في الفيلم هو عشيق لنورة، وهو كذلك متزوّج، يرفض مساعدتهما في تقليد صوت الوالد عبر التليفون للمصرف كي تستطيعا الحصول على المال من حسابه. أما مريم فلزوجها كذلك عشيقة، وهو غير مكترث بعائلته، وتسعى للطلاق منه. رجل رابع هو ابنها الذي يزوّر شهاداته وصوت والده كي يغيب عن المدرسة، وكوالده يشاهد بين وقت وآخر أفلام بورنو. الخامس هو خال الشقيقتين الذي يرفض مساعدتهما مع خطاب تقليدي في مسألة الميراث، خطاب ذكوري أبويّ. نرى على باب بيته عبارة “هذا من فضل ربي” قبل أن ندرك أنه سارق لحقّ غيره من العائلة وخارجها.

لم يغالِ الفيلم في نقل صورة رجل بعينه، ليس الفيلم مغالياً في تصوير شخصياته بل مهزوزاً في ذلك، ففي واقع المجتمع عنف جسدي ونفسي شديد التطرّف يمارسه الرجال يصل حدّ الجريمة، في فلسطين وغيرها، لم نشاهده في الفيلم لكونه خارج متطلَّبات هذه القصّة. أما المغالاة فكانت درامية، كانت في التنميط للشخصيات وجعلها نماذج توضيحية، ما هو خارج منطق الفنون تماماً، كانت المغالاة في موقعة الشخصيات وتصنيفاتها التبسيطية كأنها شخصيات دعائية: سيدتان لطيفتان، مغبونتان اجتماعياً، تكافحان لنيل حقهما، مقابل الرجال، الطيّب فيهم هو الميّت.

الخلل في الفيلم درامي إذن، في دواخل الشقيقتين، أي مشاعرهما غير المبرَّرة تجاه والدهما، الرجل الوحيد الطيب في الفيلم وهو ميّت. وفي خوارجهما، أي ما أظهره الفيلم من علاقات تجمعهما مع الرجال من حولهما، وهي صورة الرجل المحيطة بالامرأتين. وليس في الفيلم لحظة تشويق عالية، فهو خالٍ من طلعات ونزلات سردية يمكن لحدث فيها أن يمايز ما بعده عمّا قبله، ولا يحوي تفاصيل هامشية، تتفرع لدقائق عن الخط الرئيسي للقصة، فيتمنّى أحدنا لو أن صانعة الفيلم التقطته وبنيَت عليه وطوّرته. ولا فيه تأملات جمالية تنفي الحاجة للحظات تشويق أو تردمها. وغياب أي حضور مباشر للاحتلال الإسرائيلي لم يعوّضه حتى حضورٌ غير مباشر. وإن تحرَّر الفيلم من إشكاليات تعمّ السينما الفلسطينية في الاتكاء الثقيل والكسول على صور تمثّل الاحتلال، لكنه أخفق في جعلها خلفية مؤثّرة في تطوّر القصة، خلفية حاضرة للضرورة في تفاصيل حياة الفلسطيني في رام الله حيث تجري الأحداث.

كل ذلك لا ينفي أن الفيلم محاولة استكشافية، وطموحة، في الإضافة إلى نسوية السينما الفلسطينية ونسائيتها. وإن حالت اجتماعيتُه ونأيُه عن السياسي دون صورة واقعية لهذه النسوية. وهو، وإن كان من الواقعي في رام الله أن يطغى الاجتماعي لدى فئات بعينها نائيةً بنفسها عن السياسي الوطني، لم يكن، الفيلم، إن كان مخلصاً في نقل ذلك، لم يكن نقدياً له في نقله بل منسجماً مع حالته، انسجام لا يبرر، بكل الأحوال، التبسيط الشخصياتي.

يمكن لأحدنا أن يمضي وقتاً لطيفاً في مشاهدة “شكراً لأنك تحلم معنا”، لطيفاً، لا هو مزعج ولا هو ممتع. والفيلم يضيف إلى تنويعات القصة السينمائية الفلسطينية، وهو ضروري في تراكمه مع غيره لمنح الصورة النسائية مساحةً أوسع في هذه السينما، مساحة هي أصلاً، وهذه ميزة للسينما الفلسطينية، متقدّمة عن غيرها. لكنها، المساحة، تحتاج دائماً أن تكون ابنة واقعها، بتعقيداتها الإنسانية. هي قصة في مدينة محتلّة، واقعيةُ ذلك ضرورية كي نصدّق القصة أساساً. السياق السياسي ضروري كي نصدّق الفيلمَ في موضوعه الاجتماعي. انسجام دواخل الشخصيات مع خوارجها ضروري كي نصدّق مشاعرَها على الأقل، وسلوكَها.

ولأن الفيلم يكتفي بلطفه، وليس فيه ما يدّعي بأكثر من ذلك، قد يفكّر أحدنا مرّتين ويقول إن لا حاجة فعلاً كي نصدّقه. نشاهده بخفّة، بوصفه بداية مشوار سينمائي لمخرجته، متعثّر لكنه على الأقل ابتعد عن تكرارات كسولة في السينما الفلسطينية، ويرجّح، بالتالي، احتمالاتِ أعمالٍ قادمة للمخرجة تكون أقرب للمتانة والنضج.

في القدس العربي.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.