بعد ربع قرن من فيلمهما “روزيتا”، الذي أطلق اسم المخرجين الأخوين داردين بنيله السعفة الذهبية، يعود الأخوان البلجيكيان إلى المهرجان الفرنسي، بفيلم يستعيد هموماً كانت كذلك لنساء صغيرات، أو فتيات، إنّما في الأمومة، بفيلمهما “أمّهات شابّات”، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، وقد خرج منها أخيراً بجائزة أفضل سيناريو.
لا يبتعد الأخوان جان بيير ولوك داردين في فيلمهما عن المقاربة لقصص تبدو لشخصيات حقيقية، في واقعية اجتماعية ميزت عموم أعمالهما، وجعلتهما من بين مخرجين قلائل ينافسون بكل جديد لهم على السعفة الثالثة، لا الأولى ولا الثانية.
بشخصياتهما الأقرب للحقيقية، وبواقعية اجتماعية، استحضرا، ودائماً كما هو حال سينماهما، حوارات تلقائية، سريعة، انفعالية، تتغيّر فيها الأمزجة بخفّة، تبعاً للتغيّر الدرامي، التراجيدي في حالات معينة، للشخصيات. هنا، الحوارات هي مركز الفيلم الذي صوِّر، لواقعيته، بكاميرا متنقّلة مهتزّة، كما هي دواخل الشخصيات وخوارجها المتقلّبة. كما هي عواطفها وظروفها.
ولأن الحديث هنا عن أمّهات شابات، فتيات في سن المراهقة أصبحن أمّهات، تبقى الأحاديث المنفعلة على تلقائيتها. فتيات في ظروف قاسية، في حالات وجودية، بدأت من حمل الجنين والرغبة في الإجهاض لدى بعضهن، ولا تنتهي عن الاضطرار إلى إيداع الطفل للتبني. التداخل هذا بين مرحلتين عمريّتين، للفتيات، والعنوان المنتقى بعناية، أحال إلى الرواية الكلاسيكية “نساء صغيرات” (1868) للأمريكية لويزا ماي ألكوت، حيث تعلق فتيات ما بين الطفولة وما بعدها، فلم يخرجن تماماً من المراهقة الطفولية ولم يدخلن تماماً في ما بعدها، في الرشد. في الفيلم كذلك، لسنا أمام فتيات ولا نساء، بل في المرحلة الانتقالية وقد علقن فيها. نحن أمام أطفال يربّين أطفالاً. تصرفات الفتيات طفولية، وإن جرّت إحداهن طفلها في عربته وبدّلت الأخرى له ملابسه. تقول مديرة المأوى لإحداهن بأن تقوم لتطعم ابنها فهو جائع، تردّ الفتاة بأنها هي جائعة. كأنها، الأم/الطفلة، في حاجة إلى من يطعمها، ويطعم من بعدها طفلها. الطفولة هنا واصلة بين الأم وابنها، متشارَكة بينهما.
يحكي الفيلم عن فتيات لكل منها سبب أودى بها إلى مؤسسة لرعاية الأمهات الشابات وإيوائهن مع أطفالهن، إلى أن يجدن حياة مستقرة أو يقدّمن الطفل للتبني. لكل من الفتيات أسباب حالت دون عمليات إجهاض أو إكمال حياة مع الشريك، والد الطفل، المراهق كذلك، مع مشاكل عائلية لكل منهن، ودائماً ضمن حالات وطبقات وأعراق متنوعة، في مدينة لييج البلجيكية.
قوة السيناريو لم تكن في الحوارات التلقائية، كأن الفتيات شاركن في كتابتها، وحسب، بل امتدت إلى سرد قصة كل منهن، وهي قصص منفصلة متصلة، لا يجمعهن المكان، المبيت، وحده وحسب، بل السياق الذي لأي منهن وقد نُسخ بشكل ما وتوزّع على الأخريات، أمّهات تشاركن الظرف الإنساني، الحالة الاجتماعية، الرغبة في الاعتناء بالطفل والرغبة في التخلص منه، وهذا كله مرفقاً بإشكالات وارتباكات مع العائلة الأكبر، الأم أو الأخت الكبرى، مع تفكّك مسبق للعائلة، وغياب للأبوة، إن كانت في الشريك لأي من الفتيات تجاه الطفل، أو في والد أي منهن بوصفهن فتيات لم يتخطين سن الطفولة تماماً. هذه السياقات المتماثلة لكل منهن، تتشابك سردياً، وإن كان لكل منهن حياتها الخاصة المنفصلة عن تلك التي للأخريات.
يمكن للفيلم (Jeunes mères) أن يكون قصصاً قصيرة منفصلة تماماً، ربع ساعة لكل فتاة تخوض عالماً عالقة فيه مع طفل لا تعرف ما تفعل به أو معه. لكنه، لوحدة الحال في القصص كلها، وهذه نقطة قوة في السيناريو، قطّع الفيلمُ القصص كلها وأعاد خلطها بعضها ببعضها الآخر، مع الحفاظ على التسلسل الزماني، فقدم بها قصة واحدة بشخصيات متفاوتة، لكل منها تفاصيلها غير المتداخلة مع الأخرى. نتيجة هذه البراعة الكتابية كانت فيلماً واحداً متكاملاً لا يسائله أحدنا عن علاقة هذه الفتاة بتلك، وعن مبرر وجود أي شخصية من عدمها، مع إمكانية إزالة فتاة أو إضافة واحدة. كأن الحالة المعمَّمة هنا لا تنحصر بالشخصيات في الفيلم فتمتد منهن إلى الكثيرات خارجه، أمكن لهن الدخول في الفيلم لو تضاعفت مدّته مثلاً.
هذا ما يمنح مصداقية للواقعية الاجتماعية التي سادت في عموم أفلام الأخوين داردين، والتي وصلت، من بعد أفلام متفاوتة المستوى، إلى استعادة مستوى فني جيّد كان للأخوين البلجيكيين في أفلام سابقة لهما، مع حفاظهما على مساحة التخصص السينمائية لهما، أي الطفولة واليفاعة، وما فيهما وما بينهما وما يلحقهما من إشكالات اجتماعية ونفسية.
«أمّهات شابّات» للأخوين داردين… الطفولة الواصلة بين أم وابنها
