1
اكتب تعليقُا

كان السينمائي: في “الملف ١٣٧” الشرطة الفرنسية في قفص الاتهام

ليس بعيداً عن فيلمه السابق، “ليلة الثاني عشر”، حيث تدور عمليات تحقيق في مقتل فتاة، يعود الفرنسي دومينيك مول بفيلمه في المسابقة الرسمية “الملف ١٣٧” (Dossier 137)، بفيلم تحقيقات كذلك، لكنه أقل درامية وأكثر تقريرية، وهذا لصالحه، فسمةٌ أولى للفيلم هي تقريريته، وذلك تبعاً لموضوعه.

نحن هنا أمام تحقيق في جرائم الشرطة، مكتب تحقيقات ضمن جهاز الشرطة، تُحقّق شرطيةٌ منه، في عنف زملاء لها تجاه فتى، خلال إحدى تظاهرات “السترات الصفر” التي عمّت باريس في ٢٠١٩.

شكلاً، الفيلم بعيد عن الدراما لكنه أقرب، في نوعه كروائي، إلى الوثائقية. الجانب التقريري فيه منحَه هذا المزج بين النوعين. خطوة خطوة يتقدم بنا الفيلم، بتعقيدات إدارية لعمليات التحقيق، لشرطيةٍ مع رجال شرطة، بقوانين مربكة درامياً، بإرباك حالة التحقيق ذاتها.

في المظاهرات التي عمّت فرنسا، ضد سياسات إيمانويل ماكرون الاقتصادية، واجه المتظاهرون عنفاً شرطياً فرنسياً متوحشاً جعل منه موضوعاً لأعمال وثائقية وروائية. هذا الفيلم، “الملف ١٣٧”، قد يكون أفضلها، كما قد يكون من بين الأفضل في إنتاجات السينما الفرنسية هذا العام، ونحن نقارب منتصفه.

فيلم كهذا وإن كان فيلمَ تحقيقات شكلاً، هو فيلم سياسي مضموناً، وهو مرافعة قانونية لإدانة عنف الشرطة الفرنسية، وغيرها في أوروبا كما نرى في فيديوهات مظاهَرات لا تتعلق بفلسطين حصراً. هو مرافعة محكَمة لم تحُل تقريريتُه دون دراميته، ولا الأخيرة دون الأولى.

وإن كان الواقع أشد فظاعة مما بدا في الفيلم، في سلوك الشرطة تجاه المتظاهرين، كما كان في وقائع السترات الصفر وكما هو الآن في أيّ مظاهرات مهما كانت مطالبها، كالاعتداء الشرطي على مظاهرات الطلاب في آذار هذا لعام، فإن الفيلم بذكاءٍ في كتابته، في حواراته، وبواقعيةٍ في تصويره، تمكّن من الموازنة بين واقع مريع من الممارسات الشرطية الفرنسية، وبين إمكانية بناء قصة فردية بدرامية مقنعة، بتسلسل منطقي في الانعطافات ضروريٌّ لفيلم تحقيقات، وكل ذلك بسلاسة، وبإدانة يصعب دحضها، لعنف الشرطة لا في كونه سلوكاً فردياً، وإن كانت الحالة وكذلك الضحية فردية، بل في كونه نظاماً عاماً وسلوكاً مكرَّساً للشرطة، جهازاً وعناصر.

تحاول المحققة التقدم في قضيتها، وهي شرطية في مكتب مراقبة سلوك عناصر الشرطة، كأنها من قال فيها الشاعر المتنبي “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”. القضية لفتى أصابه عنصران من الشرطة بطلقة مطاطية بشكل مباشر ومقصود، بما بان أكثر، عمليةَ إعدام، بإطلاق اثنين منهما عليه فحال تحديد هوية المطلِق دون الإدانة، لاستحالة إدانة الاثنين وطلقةٌ واحدة أصابت الرأس. هي عملية إعدام ميداني تماماً، كما في لوحة “الثالث من أيار ١٨٠٨” للإسباني فرانسيسكو غويا، التي صوّرت إعداماً نفّذته قوات نابليون أثناء احتلالها مدريد.

تقدمت المحقّقة في قضيتها، توصّلت إلى المرتكبَين من خلال فيديوهات في الشارع، لاحقت أطراف خيوط هنا وهناك إلى أن وصلت إلى عاملة سوداء، في فندق مقابل موقع الجريمة، هنا ينعطف الفيلم بشدة. العاملة صوّرت الجريمة بتليفونها من غرفة في الفندق، ورفضت منحه للمحققة. في حوار بينهما هو حالة حساسة في فرنسا وشديدة الصدق والمصارحة، تقول العاملة إنها لن تمنح الفيديو للمحققة لأن الفتى لو كان عربياً أو أسود لما اكترثت الشرطة بالتحقيق، لما لاحقت المجرم.

نقيصة واحدة في الفيلم هي في قِصر هذا الحوار أو في عدم العودة إليه، وهو ركيزة درامية في الفيلم استلزمَ مساحة أكبر. هو انعطافةٌ انعطفَ الفيلمُ عنها سريعاً، مستعيداً خطَّ سيره من دون الإحالة إليها، فأتت، وهي نقطة ارتكاز درامية لموضوع الفيلم، أتت مقطوعة من دون استثمار لازم أمكن له أن يرفع أكثر، من فيلم هو مرتفع أساساً، بالموضوع والمقاربة السياسية له، والمعالجة الدرامية، والادعاء القانوني.

انحصر الفيلم إذن بحالة واحدة، فتى من عائلة فرنسية بيضاء، لكنها كذلك من طبقة عاملة تعيش في بلدة صغيرة، أطلق عليه عنصران ضمن مجموعة مكافحة أعمال الشغب، رصاصة مطاطية شقّت رأسه، في أحد أزقة الشانزليزيه. البلدة هي ذاتها التي تنحدر منها المحققة. تعرف مسؤولتُها بذلك فتوقفها عن التحقيق لشبهة الانحياز، تردّ المحققة إن زوجها كذلك شرطي، وأصدقاءها من الشرطة، وهي ذاتها شرطية لعشرين عاماً، فبالمنطق ذاته يكون انحيازها أكبرَ تجاه تجربتها الشخصية، تجاه الشرطة.

هذه المواجهة بين المحققة، الفرد، والمسؤولة، النظام، كشف انحيازاً مستبَقاً للمحققة تجاه زملائها المحقَّق معهم، وإن حاولت القيام بعملها وحسب، نفهم منها لاحقاً أنّها تمنّت لو أن لا فيديوهات صوِّرت وأن الموضوع انتهى في حدوده الدنيا. كأن العاملة السوداء أوقعتها في مأزق بتوفّر فيديو لا يمكن تجاهله إلا بالتواطؤ. رغم كل ذلك، ورغم عدم اكتراث المحقَّق معهم بإجابات منطقية لمحاولة دحض الاتهامات، تبقى الإرادة الفردية هامشاً لا أثر له، ديكورياً مجمّلاً، في جهاز شرطة عنيف يحاول إقناع المجتمع بأنه يحقق مع نفسه بنفسه ويحاكم نفسه بنفسه.

الفيلم مرافعة متكاملة، لا تخلو جديته في محاكمة عنف الشرطة، من سخرية تجاه مرتكبي الجريمة من ناحية أصحاب إجابة واحدة هي أن ما فعلوه، وهو لحماية النظام المسيطِر للشرطة، كان “لحماية الجمهورية”. حجةٌ أقرب للنكتة، في فرنسا كما في غيرها: الفتى كان احتمال إرهابي وما فعلوه كان تأديةً لواجبهم في حماية الجمهورية.

ينتهي الفيلم بإشارة واحدة من الولد، بعد أكثر من عام على إصابه، يخاطب الكاميرا كأنه يدلي بتصريح ختامي للفيلم بوصفه مرافعة لإدانة الشرطة، يقول إنه يحب الشرطة ويريد أن يسامحها، لكن ذلك صعب. تختتم كلمة “صعب” الفيلم بنظرة يائسة من الضحية. 

كان السينمائي: في «الملف “137 الشرطة الفرنسية في قفص الاتهام

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.