ليست المقارنة بين المهرجانات السينمائية الثلاثة الكبرى سينمائية وحسب، فحولها تحوم عناصر لا يمكن إلا أن تكون مؤثرة في سلوك الناقد، الزائر لعشرة أيام تقريباً، أو أكثر لإمضاء بعض الوقت قبل المهرجان وبعده. هي عناصر لا سينمائية تساهم في تحديد يوميات هذا الآتي، كما يُفترض، للمشاهدة والكتابة.
قبل الحديث عن مهرجانات برلين وكان وفينيسيا، أشير إلى آخر كان لي فرصة زيارته للمهمة النقدية ذاتها، المشاهدة والكتابة، هو مهرجان سان سيباستيان السينمائي، الأصغر من ذلك الثلاثي لكنه، والحديث عن عناصر لا سينمائية تحوم حول المهرجان ومبعثها هو المدينة، يفوقها، ثلاثتها، في عناصر إمتاعية، لا سينمائية دائماً، تحدد في سلوك الناقد الزائر.
المدينة الإسبانية الباسكية تحطّ على المحيط، ممتدة على شواطئ مستديرة ومقابلة جبلين صغيرين مشجّرين، تحت سماء شاسعة وشمس تغيب متأخرة في زمن المهرجان، في أيلول. لسنا هنا في الشتاء كما هو حال مهرجان برلين، ولا في الربيع حيث لا الزمان ولا المكان صديقين لاستلقاء على رمال تكون دافئة وغير مزدحمة، كحال مهرجان كان. كما أننا لسنا في أيلول مدينة فينيسيا السياحية جداً، والغائبة عنها أو البعيدة منها شواطئ يلجأ إليها الناقد مع أغراض لا يكون اللابتوب منها، هارباً من الصالة المكيَّفة.
لا كلام سينمائياً هنا، بالمرة، لكنها ظروف تزيد من همة الناقد أو تُنقص، في سيرورة إجهاد ممتدة لعشرة أيام من المشاهدة والكتابة وما يتخللهما، ككأس ضروري وبارد مقابل ساحة، بين فيلمين.
الطقس يؤثر، نعم. وهنالك، كحال كاتب هذه الأسطر، من لا يهتم بمؤتمر صحافي لفيلم، أي فيلم، فهذا مقصَد الصحافة السينمائية لا النقد، لكتابة التقارير والأخبار وربما التحضير لمقابلات، ودائماً عند البعض التقاط صور للسوشيال ميديا، كحال “المؤثرين” و”كتّاب المحتوى”. الناقد باحث عن الفيلم للمشاهدة والكيبورد للنقر، وكفى. لكنه، وهنا يأتي دور الطقس، يقرر أن يحضر مؤتمراً صحافياً في مهرجان برلين السينمائي، فقط لأن صالة المؤتمرات في الفندق ذاته حيث المساحة الهادئة للكتابة والضاجة لشرب القهوة، وفقط، وهذا الأهم، لتفادي البرد القارس في الخارج، في شباط برلين، الملفوح بالهواء النّشط والسمّاء المبللة الملبدة، ثلجاً وأمطاراً. هذه أسباب غير سينمائية، غير مهنية، بل غير نقدية بالمرة، تدفع لسلوك من الناقد هنا وتحدّ منه هناك.
في مهرجاني كان وفينيسيا، وإن كانت المؤتمرات الصحافية أهم من تلك التي في برلين، لطبيعة الأفلام طبعاً، فهي ليست بهذا الإغراء الذي تتكئ لأجله برلين على طقسها. ففي ساعتين خاليتين بين فيلم وآخر في أي من المدينتين الساحليتين، جنوبي أوروبا، مَن (ذا الذي) سيترك الشمس ونورها، والسماء وصفاءها، ورائحة البحر وأصوات أمواجه جنوبي فرنسا؟ روائح مياه القنوات العفنة شمالي إيطاليا مسألة أخرى. مَن سيترك ذلك في كان، أو العمارة الاستثنائية في فينيسيا، نهاراً، وكأس Spritz في المدينة الإيطالية المحاذية لموقع اختراع هذا الكوكتيل الأحمر العجيب، من سيترك كل ذلك ليحضر، بالله، مؤتمراً صحافياً في صالة شديدة التكييف والإنارة؟
نحن هذه الأيام في مهرجان كان السينمائي، ولكل مهرجان روتينه اليومي، المتعلق بالسينما ومهنتَي المشاهدة، فهذه مهنة كذلك للناقد، والكتابة، وروتينه غير المتعلق بالسينما، وقد آتي لاحقاً على مسائل تخص المهرجانات الأخرى، أستعيد فيها روتيناً كان منها لمهرجان برلين السينمائيين هذا العام، وقد حال تراكم المواضيع الكتابية دون تخصيص مقالة أو أكثر، له. لكن الحال في مهرجان كان الفرنسي يختلف. نحن هنا أمام مهرجان هو الأكثر برستيجاً وألقاً وترقّباً من بين الثلاثة. وزمان المهرجان ومكانه، بمعزل عن طبيعته كمهرجان سينمائي، أي عروضه وبرامجه الرسمية والموازية، يحددان، الزمان والمكان، روتيناً ليس بالضرورة سينمائياً، يفقده برلين زماناً فالمهرجان الألماني ينعقد في أصقع شهر في السنة، أما مكاناً، فبرلين تنال النقاط الأعلى بالمقارنة مع كان وفينيسيا. لا ننسى أن في العاصمة هذه شارعاً اسمه “شارع العرب”، هو زونينأليه، مطاعم بأطباق الشاورما السورية تجعل من المهرجان السينمائي الألماني متقدماً، في ما هو غير سينمائي، على الفرنسي والإيطالي وكل ما يمكن أن يكون في أوروبا.
أترك أمر مهرجان برلين جانباً الآن، لكوننا في أول مهرجان كان السينمائي هذه اللحظات. وهو المهرجان الأكثر بهجة لمكانه وزمانه، أجواء ربيعية في مدينة صغيرة متوسطية، مركزها بيوت وزواريب عتيقة، على النمط الفرنسي القروسطي نوعاً ما، أما مبانيه الأحدث والمحيطة بالمركز، فهي نموذجية لعمارة الجانب الأوروبي من المتوسط، مباني بيضاء بخطوط عرضية وانحناءات نهايات المباني مانحة البلاكين شكل الأحزمة التي تلف العمارة الواطئة، مع شوادر ملونة، زرقاء تحديداً. لا يكون، هذا المنظر، إلا مرفقاً برائحة بحر المتوسط وبعض رطوبته، وحرارة شمس لا تهدأ، وكأس كبيرة وباردة من بيرة IPA، والتردد في احتمال إلغاء مشاهدة الفيلم التالي قائم لأننا، ببساطة، لسنا في برلين، لأن الطاولات أمام المقاهي ممتلئة بالناس، ولأن أشغال الترميم والبناء في ساحة تتوسّطها نافورة، مقابل قصر المهرجان الرّيفييريّ، انتهت.
في المدينة أسباب كثيرة تدعو للبقاء تمدّداً على كرسي المقهى، وطلب كأس آخر، بدل التحرّك إلى صالة لن تكون بدفء وحميمية صالات مهرجان برلين لأن في الأخيرة حاجة للهروب إلى الداخل، بينما في مهرجان كان حاجة للهروب إلى الخارج، إلى المقاهي وطاولاتها والتفرّج على الناس، تفرّجٌ أولى من ذلك المهنيّ، في صالات ليس الآن وقتها.
هذه كلها أسباب، وغيرها كثير، تزاحم تلك السينمائية، أسباب تتعلق بالمدينة، بالطقس، بالمزاج. أمر واحد يمكن أن يعكّر صفو الجلوس الكسول إلى طاولات المقاهي أمام كأس زجاجية ترطّبت، جداً. هو، في مهرجان كان، الشعور الدائم بالذنب أمام أي فيلم فضّل أحدنا حياله كرسيّ المقهى على مقعد الصالة، المقصود هو امتياز أفلام المهرجان الفرنسي بالمقارنة مع أفلام غيره، فانطباع عام يحوم في المهرجانات، هو أن الجميع، مخرجين ومنتجين في العالم، يحاول التقدّم لمهرجان كان، وحالة الرفض تتبعها محاولة الخائب للتقديم لغيره، كبرلين وفينيسيا وغيرهما. أسباب كثيرة لا تتعلق بالسينما، تساهم في تحديد يوميات الناقد المهرجاناتية، وتساعد في رسم جدول مشاهداته، بإلغاء المشاهدات كما هو بتسجيلها.
