طبيعة مسلسل “مو” مركّبة. هو فلسطيني كما هو أمريكي، هو كوميدي كما هو درامي، هو مسلسل مؤلِّف (أوتور) كما هو مسلسل تلفزيوني للعائلة. أبعد من ذلك: هو إنتاج شركة A24 المغامِرة والمستقلة كما هو عمل لنتفليكس السائدة.
كذلك، لا يكون تلقي الفيلم، أي النظرة النقدية تجاهه، سوى مركّباً. لا تصحّ هذه النظرة للعمل بكونه فلسطينياً كأي عمل آخر من فلسطين، سينمائي وتلفزيوني، كما لا تصحّ النظرة إليه بكونه أمريكياً، مقارَناً مع كبرى المسلسلات المجانبة له خلال تصفّح المنصة ذاتها، أو غيرها. النظرة هذه مركّبة، وهذا ينصف العمل.
نزل أخيراً الموسم الثاني إلى المنصة، بعد سنتين من موسم أول ممتاز. ثماني حلقات خالفت المتعارَف عليه، في أن الموسم الثاني من أيّ مسلسل، أو الجزء الثاني من أيّ فيلم، يقلّ جودةً ويبني بعضاً من نجاحه الفترَض على ما أنجزه الأول. هنا، فاق الموسمُ الثاني الأوّلَ في نضجه، في فكاهته، بل تصاعدَ ضمن حلقاته ليحمل حلقة أخيرة من الموسم، حلّقت عالياً جمالاً وطيبة.
في الموسم الثاني يجد محمد طريقه عائداً إلى تكساس من المكسيك، يمر بمطبات عاطفية ومهنية، شخصية وسياسية. يحاول مساعدة عائلته الصغيرة في مشروع بيع زيت الزيتون. يحصلون على الإقامة ويذهبون في زيارة إلى فلسطين. الحلقة الأخيرة تبدأ وتنتهي هناك، مع إيحاء باستمرارٍ بموسم ثالث، إذ تنتهي الحلقة في المطار عودةً من فلسطين.
لا يُقارَن المسلسل بأعمال فلسطينية لطبيعة صناعته ومنصّته وجمهوره، هو مسلسل كوميدي آخر لمنصةٍ الوصولُ إليها طموحٌ للكثير، لأكثر من الكثير، من صانعي أفلام من العالم بما فيه فلسطين (بغض النظر عن مجمل رداءة المتحوى لنتفلكس)، يخضع المسلسل بالتالي لمحدّداتِ كتابة وتصوير هي أولاً تحتاج أن لا ترفضها المنصّةُ لمضامين سياسية، وأن تقبلها المنصةُ لشكلٍ ومعالجةٍ فنية أساسها الاستهلاك المشاعري وهو مقبول تلفزيونياً، فلا يرتفع المسلسل عن سقفٍ للمنصة في موضوعه ولا ينزل عن عتبةٍ للمنصة في شكله. فلا تتعارض فلسطينيةُ الفيلم (مضمونه) مع أمريكيته (شكله)، وهنا كان العنصر المركَّب في “مو”، ما احتاج ذكاءً هزليّاً خاصاً تمكَّن منه المسلسل وصانُعه محمّد عامر (الكوميديان) وشركاؤه في الصناعة، كما يتمكّن لاعب خفّةٍ من شقلبة أربع حبّات برتقال بين يديه، درامية وكوميدية وفلسطينية وأمريكية.
المسلسل في حسّه الفكاهي عبرَ اختبارات نتفليكس، في استحقاق أن يكون بتصنيف الكوميدي على منصتها، وأفشلَ خرافةً تقول إن النكبة أعطبت حسّ الفكاهة لدى الفلسطينيين، فمتى ضحك أحدنا يستدرك قائلاً: ليجِرنا الله من شرّ هذه الضحكة. يقول أحدنا اليوم، المسلسل (بأل التعريف) العربي الكوميدي المتقدّم بوصفه أمريكياً، أي واجهةً في المنصة ويُقارَن بوصفه كذلك لا بوصفه “محلياً” عربياً، هو على المنصة (بأل التعريف) وهو لفلسطيني، مستوحى من قصته الفلسطينية، وبعناصر بصرية وكلامية فلسطينية لا تخطئها العين ولا الأذن لملايين من المشاهدين. المسلسل إذن حملَ القصة الفلسطينية إلى مستويات كوميدية لم يسبق أن وصلها الفلسطينيون، والحديث عن كوميديا عائلية وخفيفة، بسيطة وللجميع، تحاكي العاطفة لا عقل، وليس، الحديث، عن كوميديا ساخرة لاذعة ناقدة تحضر أولاً في السينما.
الذكاء والفكاهة الحاملين لخلطة القصة الفلسطينية شديدة الإفصاح، والكوميديا شديدة البساطة، من دون التنازل في ما يقوله أو يُظهره، المسلسل في فلسطينيته، ومن دون التنازل عن عتبة الكوميديا اللازمة للمنصّة، جعل من المسلسل حالة خاصة فلسطينياً لرفعه كوميديا هذا الشعب إلى درجات عالية، عالمية، وحالة خاصة أمريكياً في رفع قصة هذا الشعب إلى مزاحمة باقي القصص والمواضيع المسلسلاتيّة على عموم المنصات، الأمريكية تحديداً. فتكون فلسطين موضوعاً، ضمن غيره، مُشاهَداً بلسان وصورة فلسطينيين، مضموناً، وبفنّيات وتقنيات أمريكية، عالية بطبيعة الحال، شكلاً.
بذلك، استحق المسلسلُ فلسطينيتَه كما استحقّ أمريكيتَه، وبالتالي، من خلال المنصة، عالميّتَه. تجرّأَ المسلسلُ على الكلام عن النكبة في وقت تتجنّبه أفلامٌ كثيرة تحسّباً لحساسية هذا المنتِج أو ذاك المبرمِج أو الموزّع. امتلأت المَشاهدُ برموزٍ فلسطينية كانت عناصرَ لسياق كوميدي مُثقَل بعناصر درامية، أو درامي مغلَّف بالكوميديا، فكما هو بدرجته الأولى كوميدي، الابتعاد في النظر إليه يحمل إلى درجة ثانية تجعل منه درامياً. إن كان من ملاحظة واحدة يمكن استيعابها منه، في عمليات الصناعة السينمائية والتلفزيونية الفلسطينية، فهي أن العنصر الفلسطيني، ورموزه، ومصداقيته، لا تستلزم التنازلَ كي يصل العملُ إلى منتج ومبرمج وموزع غربي، بل ما تستلزمه هو سرعة النباهة والرد على المتوقَّع من الثلاثي البوليسي الغربيّ ذاك، لا بالسحب والانسحاب بل باللف والدوران فنياً وأسلوبياً حول المضمون الفلسطيني، بالنباهة، فتصل القصة كما يريدها صاحبها، بالشكل الذي تتطلّبه المنصة.
رأينا في المسلسل فولكلوراً فلسطينياً صريحاً، في حلقته الأخيرة تحديداً، لم يخجل صانع المسلسل من ذلك، بل حمله ورفعه ولوّح به أمام العالم وعن شاشة نتفليكس، لسبب واحدة هو المصداقية تجاه موضوعه، وشعبه، والحرَفيّة تجاه أصحاب العمل، مجلس إدارة نتفليكس مثلاً.
لم تأتِ دراميةُ العمل على كوميديّته، بل تجاورتا بذكاء كتابةٍ وإخراجٍ وأداء، كما لم تأتِ أمريكيةُ العمل على فلسطينيته. يضحك أحدنا ويبكي خلال المشاهدة، لكن الشعور الباقي فيه، أخيراً، ومن وسط كل الكوارث التي يعيشها الفلسطيني اليوم، هو الفرح، فرح عاطفي وهذا طبيعي، لكنه تحديداً فرح فكري، في الانتباه إلى الآفاق الجديدة التي يمكن لعملٍ فلسطيني أن يصله، ومن دون مساومة.
من دون مساومة، هنا نقطة الارتكاز.
