تُباغتنا بين وقت وآخر، أعمالٌ سينمائية فلسطينية، تفيض بخطاب وطني فيَنحسر تحت وطأته، أيُّ تناول له يكون فنّياً وبحد أدنى من المصداقية. تجول وتُشاهَد أفلام لأنها فلسطينية، تكاد تصرخ بما لا يُدرَك فتكون مبعثَ إزعاج سمعي وحسب، هو في هذا الفيلم بصري. لحضور فلسطين في هذا الفيلم مثلاً، أثرُ الآية القائلة “فأغشيناهم فهم لا يبصرون”.
سيكون أوّل ما يخطر في البال فور الانتهاء من مشاهدة “الفيلم عمل فدائي”، التساؤل: لكن أين الفيلم؟ وما هو الفدائي هنا؟ ما مررنا عليه، لقرابة ساعة وربع، كان تراكم صور ومَشاهد ملعوب سريعاً بها غرافيكيّاً، لا يخرج المُشاهد منها بأكثر من استنتاج أنها “فلسطينية”، وهو كافٍ كي لا يُبصر سواها، فيكون الفيلم فلسطينياً وكفى. يؤخَذ الفيلم بصفته هذه ولا يؤاخَذ من بعدها.
يأتي الفيلم الجريء (وهذه قيمة أوّلية عليا له) بعد تجارب مماثلة في جرأتها لمُخرجه كمال الجعفري، وفي التجربة ما يمكن أن يكون استثنائياً، وإن في المحاولة وحسب، كمواصلة القفز والإصرار على أن يكون عالياً. مساحة التجريب التي يكرّر المُخرج الخوضَ فيها صعبة، القرار بخوضها في حد ذاته صعب. التجريبية سينما حسّاسة، يسيء البعضُ فهم الجيّد منها لمحاولة التقييم بمعايير تقليدية تخضع لها الوثائقيات (يقابلهم القائلون: واو، عمل عظيم لأني لم أفهم منه شيئاً).
لكن هذه الجرأة تَفسد ما لم تكن متسلّحة بإدراك وتأنٍّ لما يخوضه المجرِّب، وبتنفيذ لا هو متفذلكاً ولا متذاكياً، ولا معتمداً على “فهُمْ لا يُبصِرون”. الخوض في التجريب سينمائياً، يتطلّب قبل الجرأة الجديرة بالثناء، تقديراً جيّداً لإمكاناتها، وتنفيذاً لا يجعل من العمل عبئاً ولا هذياناً لا أوّل له ولا آخر.
أمام فيلم يقدّم نفسه، في نصّ افتتاحي، على أنه يتناول سرقة جيش الاحتلال الإسرائيلي أرشيف مكاتب مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت إثر اجتياحها عام ١٩٨٢، يودّ أحدنا أن يتعثّر بجدوى من الفيلم، وإن اتخّذ شكلاً تجريبياً لا يُخفي ادّعاءه بفنّيةٍ لم توجد. فالعنوان في أن “الفيلم عمل فدائي”، يحيل إلى فكرة أن “الفيلم -أيّ فيلم- عمل فنّي” بمحاولة نفيها، كأن المُخرج وجّه الانتباه في عمله الأخير إلى “فدائية” الفيلم لا “فنّيته”. لكن الفيلم، أخيراً، لا هذا ولا ذاك (آسفون). هو ليس فنياً وهذه مسألة يوضّحها تواضع المنتَج. مهما حاول أحدنا الإيغال في تجريبيته، فلا فنّية في التعثّر ولا تكون العشوائية والتخبّط متنَ عملٍ فنّي. وهو ليس عملاً فدائياً، فالسلاح في يد حامله، يجرحه أحياناً. تناولُ مسألةٍ كفاحية، كالفلسطينية، بتمثيل لهذه المسألة في مهرجانات أوروبية مثلاً، سيسبّب جرحاً للمسألة ما لم يكن التناول، أي الفيلم، بمستوى التحدي الذي أدخل ذاتَه إليه.
الفيلم مبني على مشاهد أرشيفية بعضنا يعرف بعضها جيداً، ويستغرب من جدوى تكرارها ميكانيكياً، يعرفها من أفلامها الأصلية مثل “فلسطين في العين” لمصطفى أبو علي، أو من إعادة استعمالها للاتكاء عليها ضمن أفلام مونتاجيّة أخرى. وهذه موضة سينمائية فلسطينية شاعت في الأعوام الأخيرة وصارت مملة ورتيبة. لكن الاعتماد على الأرشيف في السينما لا يستوي من دون إيفاء القطعة الأرشيفية حقّها في التعريف، وفي السياق، فالمُشاهد غير العارف سيمرّ على مَشاهد الفيلم كلّها من دون إشارات تقدّم هذه اللقطة أو تلك، وإن مرّت سريعة ومتأخّرة في الإحالات نهاية الفيلم، بوصفها استدراكاً متأخراً كما كان حال أفلام الجعفري السابقة.
ولا تنجو من هذا الاستعمال الناقص مقاطعُ من قصص لغسان كنفاني، “ورقة من الرملة” و”ورقة من غزة”، تَخرج على الشاشة فجأة كأي لقطة أخرى من الفيلم، ومن دون الإشارة إلى مؤلفها، هزيلة لا سياق لها، وفاقدةً من معناها الأدبي. فلا هي نالت بعداً فنياً ولا سينمائياً عوّضَ الفقدان الأدبي. نالها ما نال باقي اللقطات الأرشيفية، منتشَلةً من سياقها، من دون استحداث سياق جدير بها.
الفيلمُ حالة من الغبش السردي. هو أقرب لرميات نرد مبعثرة ومتلاحقة كانتها اللقطات الأرشيفية. اعتماد الفيلم على مواد خام ذات قيمة، لم يمدّ من تلك القيمة إلى الفيلم ذاته. صفُّ المواد من دون بنى سردية حدَّ من مَديات قيمتها، وثبّتَ من خواء المواد. انسحب ذلك على استخدام نصٍّ لكنفاني بوصفه تأثيراً بصرياً.
مؤسف أن يفتقر الفيلم، بموضوعه هذا وبطموحه المفترَض، إلى فنيّة ضروريٌّ حضورها في العمل التجريبي، مؤسف أكثر السعي للتعويض بـ “الفدائية” بهذا الشكل، أي استخدام هذه الكلمة، السحرية في الوجدان الفلسطيني، فنُغشى فلا نُبصر.
مهما أثنى أحدنا على مجرّد المحاولة، ومهما كان الإصرار جديراً، أكثر، بالثناء، وهو كذلك، يبقى متنُ الفيلم التجريبي في فنّيته، فإن خسرها انهارَ وصار تشويشاً ينتظر أحدنا تلاشيه وحسب، وإن كسبَها يرتقي الفيلم، تحديداً فيلم كـ “الفيلم عمل فدائي” لضروريّة موضوعه، وفي مسيرة السينما الفلسطينية المتشكّكة أصلاً والمتوجّسة من التجريبية. فاقَ الفيلمُ الكثير من الأفلام الفلسطينية جرأةً، وطرحَ تحدّياً عالياً في مجاله، لكن، وهذا محزن، السقطة كذلك كانت “من علٍ”.
