قليلة هي الوثائقيات التي تنغمس في حميميات موضوعها. يبحث معظم الأعمال السينمائية، روائية ووثائقية، عن الحدث، الانعطافة السردية، التطوّر في الشخصيات، تتبُّع ما يتقدّم فلا تكون نهاية الفيلم متماهية مع بدايته، وغيرها مما يمكن أن يشدّ المتفرّج بتحفيزه إلى ما سيلي.
هنا، في “عدنان: الوجود والزمن” للأمريكية ماري فالنتاين ريغان، مثال آخر، وذلك لطبيعة شخصية الوثائقي ثم حساسية المُخرجة إليها. الشاعرة والفنانة اللبنانية إتيل عدنان التي امتدّ سحرها، الكلامي واللوني، إلى الوثائقي الذي تطبًّع بها، لحقها كأنّه حالات تأمّل، ساكنة صامتة، لهذه الشخصية الاستثنائية، طفوليّة الكلام والانفعال، حتى رحيلها عام ٢٠٢١، وهي في ٩٦ من عمرها. أحاطها الفيلم في كل مشهد، في أيامها الأخيرة، كأنه حالة تأمل هادئة هانئة غير متحفّزة للمشهد التالي.
لم يكترث الفيلم بخطٍّ سردي يتتبّعه، فموضوعه مكتفٍ بذاته. سحرُ إتيل عدنان، بحضورها وكلامها، والألوان المحيطة بها في بيتها الباريسي حيث صُوّر معظم الفيلم، هذا السحر مكتفٍ بذاته، يملأ الرئتين كهواء بارد على قمّة جبل. الكاميرا أمام الشاعرة وهي ترسم، أمام الرسامة وهي تحكي عن الوجود والجبال، أمام المسنّة الفرحة بقطع الغاتوه ملتهمةً خمسةً منها. نراها ترى صوراً للجبال، فتنفعل كطفلة، تماماً كم نرى الجبال مرسومةً ملوَّنةً في لوحاتها كأنّها بفعل طفلة. إدراك عدنان اللونيّ والشكليّ للطبيعة حافظَ على براءة لم تصدمها المدينيّة، حافظ على تلقائية الخلق والابتكار، امتداداً على طول حياتها المهنيّة، الطويلة إلى عمرٍ متقدّمة.
لا تَتابُع إذن في الوثائقي، بل حالة دائرية، مكتملة في كل مشهد بعينه، تماماً كقصيدة يكتمل كل سطر فيها بذاته قبل أن ندرك أنه ضمن اكتمال أعمّ هي القصيدة. جماليات الحضوري والكلامي لعدنان أمام الكاميرا منح الرضى والاكتفاء، وهي سابقة ولاحقة لكلام وحضور مختلفين، في بيتهما عموماً، وهي المسنة غير القادرة على التجوال كثيراً. يزورها الأحباب وتتأمل هي صوراً لجبل تمالبيس في كاليفورنيا، الذي كتبته شعراً قبل أن توصي برمي رماد رفاتها عليه. تتأمّله من بيتها الباريسي، المدينة التي أتتها للعلاج قبل أن يوصيها الطبيب بألا تسافر بالطائرة، فبقيت في المدينة تاركة حياتها الأمريكية وراءها، وتعود هناك لتُنثَر في فضاء جبال لطالما لوّنتها في لوحات لا تنتهي. وهي، كما رأيناها تقرأ عنواناً لمقالة تفرح أمامه كطفلة أمسكت هديةً بيديها، يقول إن عدنان، لعلّها، أفضل ملوّنةٍ في تاريخ الفن المعاصر.
لا يخرج أحدنا من هذا الوثائقي خالياً من سحر عدنان، ألواناً وكلمات. نراها منهمكة في لوحة صغيرة، شمس صفراء على خلفية لسماء زرقاء، جماليات العفوية الطفولية تتكثف في بساطة هذه اللوحة، وفي عاديّة تلوينها لها، عملٌ فني خاص نراه في الوثائقي ضمن حالة الخلق، الوجود، على بساطة العمل وجمال هذه البساطة، شكلاً: فاللوحة دائرة وحسب، ولوناً: أصفر وأزرق وحسب.
الفيلم (Adnan Being and Time) المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان “سينما الواقع” في باريس أخيراً، استسلم لسحر عدنان، وهذه ميزة كبرى فيه. امتثالٌ تام تحتاجه شخصية كهذه مبعثه حبٌّ شاسع نحسُّه فيها. خضوع العمل الفني والتقني إلى شخصية يكون كامتثال لا يُقاوَم أمام رغبات طفلة. لكنه، ولضرورة السياق، يقدّم الوثائقي مشاهدَ من معارض لعدنان، في نيويورك وغيرها، وإشارات بين مشاهد وأخرى تقدِّم انعطافات في حياة الشاعرة التي، مثلاً، وفي كاليفورنيا، وتفاعلاً مع حرب التحرير الجزائرية، توقفت عن الكتابة بالفرنسية، فبدأت بكتابة شعر ضد الحرب وبالإنكليزية، وبدأت حينها بالرسم، قائلةً إنها ترسم بالعربية.
الوثائقي حالة تأمل زادت قليلاً عن الساعة، لساحرة باللون والكلمة، وهي المقاربة الأمثل لموضوع كهذا. أحسن الفيلم مقاربتَه تقديماً لعدنان من دون إقحامات فنية أو تقنية من المنطق الوثائقي التوثيقي، فاستحق موضوعَه للمقاربة التأملية الاستسلامية التي فيه، لمقاربة ما تحكيه إتيل عدنان وكيف تحكيه، بالإنكليزية وبعض الفرنسية، بكلامها البسيط، الفلسفي في معناه، عن الوجود، والتفكير فيه.
تكرّر عدنان: إن الطبيعة تفكّر، إن الجبال تفكّر، كأنّها في لوحاتها تتحاور مع الجبال، كأنّها تكمل محاوراتها في قصائدها، كأن الوثائقي التقطَ بعضاً من هذه وتلك، وكان لوحةً لعدنان التي تضحك وتحكي تماماً كأنّها ترسم وتلوّن.
