1
اكتب تعليقُا

“سينما الواقع” في باريس… الوثائقيات في ساحة مركزية

ليست السينما الوثائقية سينما جماهير واسعة، ولا هي اختيارات أولى للمهرجانات الكبرى والمنصّات وصالات السينما. لكن لها مهرجاناتها، كما أنها تتوزع على التظاهرات الموازية للمسابقات الرسمية في مهرجانات أولى (كان وفنيسيا وبرلين)، وتكترث بها النوادي السينمائية مثلاً ومنصات إلكترونية بديلة ومتخصصة، وتمرّ على الصالات المستقلة كما تختفي عن الصالات التجارية.

سئلت مرّات، أخيراً، عن حدود التوزيع الذي ناله فيلم “لا أرض أخرى” في فرنسا وأوروبا، وإن كان من تضييقات عليه لموضوعه الفلسطيني. هذا أكيد، لكن في محدودية التوزيع ما هو سابق لذلك: هو أولاً وثائقي، وصالات السينما عموماً تتجنب هذا النوع السينمائي قدر الإمكان، فهو ليس للتسلية وبالتالي غير جماهيري ولا “يستهلك” الكافي من التذاكر. وهو ثانياً غير محلي، أي أن صالة فرنسية إن قررت عرض وثائقي ما، من بين روائيات كثيرة، سيكون أولاً فرنسياً، أو أوروبياً في أبعد الأحوال.

يمكن لجوائز أن تتيح لوثائقيات دولية مكاناً بين الروائيات في صالات السينما، لكن يبقى ذلك محدوداً وبحالات نادرة في السنة. العام الماضي والذي سبقه، نال وثائقيان الجائزة الأولى في مهرجان برلين السينمائي، استغرب الكثير لك، وهو استغراب مستحَق، فالوثائقيات تبقى في درجة تالية للروائيات، صناعةً وفناً، وتحصر المهرجانات الكبرى للوثائقيات جوائز خاصة بنوعها، إضافة إلى جوائز موازية. فالوثائقيات على هامش المهرجانات الكبرى وعموم الصالات. وهي كذلك المنصات، فتكون الوثائقيات واحدة من تصنيفات إلى جانب غيرها تنحصر كلها في الروائيات: دراما، كوميديا، تشويق، رعب… الخ. لكن يبقى للوثائقيات، النوع الشقيّ في السينما، مهرجانات تحملها من هامشيتها في مهرجانات كبرى تكترث بالسجاد الأحمر والفساتين والتوكسيدو أكثر من اكتراثها بالتنوع السينمائي.

محطات أساسية للفيلم الوثائقي، تكون في مهرجانات أبرزها: idfa، Visions du Réel، Sheffield DocFest، CPH:DOX، Cinéma du Réel. وهذا الأخير، “سينما دو رِييل: سينما الواقع” ينعقد حالياً في العاصمة الفرنسية، ما بين ٢٢ و ٢٩ من آذار مارس. هي مهرجانات وثائقية بالتخصص، الوثائقي هنا في مركز الساحة لا على هامشها، وإن كان مركزاً أصغر من هامش في ساحات مهرجانات أخرى. والوثائقيات سينما الهامش أساساً، ففيها يكون أولاً حضور المضطهَدين والمغيَّبين والمظلومين. هي أفلام التي تنطلق من الواقع وتنتهي إليه، بخلاف العرف الروائي بالانطلاق من الواقع والانتهاء في الخيال. إطلالة سريعة على مواضيع أفلام المسابقات الرسمية مثلاً، في مهرجانات روائية وأخرى وثائقية كالمذكورة أعلاه، يشي بطبيعة اهتمامات كل من النوعين السينمائيين. إشارة جانبية في ذلك، تكون في أن الشراكة الصحافية للمهرجان الفرنسي هذا، محصور بصحيفة “لومانيتيه” الشيوعية وموقع “ميديابارت” اليساري، إضافة إلى الراديو والتلفزيون العموميين.

في المهرجان إضافة إلى المسابقة الرسمية، تظاهرات موازية من بينها ما اسمها “الجبهة الشعبية”، في إحالة إلى “الجبهة” التي تشكلت في فرنسا في الثلاثينيات لمواجهة الفاشية، وبطبيعة الحال إلى عموم “الجبهات الشعبية” المتشكلة على طول القرن الماضي في تحالف تنظيمات يسارية ضد الفاشية والديكتاتورية والاستعمار. وهذه هي مواضيع هذه التظاهرة، شاملةً أفلاماً وثائقية من كل العالم، تطرح حالات الاضطهاد والاستعمار، العنصرية والطبقية، وما جانبها من قضايا اجتماعية وسياسية يكون في الوثائقي أداة للكشف والمحاججة وصولاً إلى التحليل والتحريض.

من بلادنا، في هذه الدورة فيلم بعنوان “تقسيم” للفلسطينية ديانا علّان، وآخر بعنوان “خط أخضر” للبنانية سيلفي باليوت، كلاهما في قسم “عروض خاصة”، إضافة إلى عروض استعادية ولقاءات مع اللبناني غسان سلهب، مع عرض لفيلمه الأخير “النهار هو ليل”. ويحضر فيلم عن الشاعرة والرسامة اللبنانية إتيل عدنان.

والمهرجان لهذا العام يغادر مقرّه في مركز بومبيدو، متحف الفن الحديث والمعاصر في باريس، وقد أُغلق قبل أيام للدخول في أعمال ترميم تستمر لخمس سنوات، فامتدت عروض هذه الدورة (٤٧) من المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي، على أربع صالات سينما مستقلة، صالات الفن والتجريب، في المدينة، في الحي اللاتيني منها تحديداً.

«سينما الواقع» في باريس… الوثائقيات في ساحة مركزية

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.