1
اكتب تعليقُا

“أنورا”… لا حاجة للمشاعر إلى تبريرات

تحوم شخصيات المخرج الأمريكي شون بيكر حول بعضها. يمكن لإحداها أن تكون في فيلم آخر له، قريبة من شخصية أخرى، جميعها من مجتمعات متقاربة، تعيش على هوامش المدن، ومن هوامش المهن. الأحياء خالية وتطل على شارع عام، والمهن غير مستقرة أو مفقودة. أما في فيلمه الأخير، فكان الحي مركزياً وكانت المهنة مستقرة، امرأة في وسط المدينة تعيش من الرقص بالتعري، تنشأ بينها وبين زبون علاقة حب، أو ما هو على هامش علاقة الحب. هنا، حمل بيكر شخصياته ذاتها إلى عالم جديد.

يتجنب بيكر القوالب الجاهزة للأمكنة والشخصيات. يبحث عن المتطرف منها، النائي مجتمعياً ومكانياً، غير المكتمل، القلق، كما في “ذا فلوريدا بروجيت” (٢٠١٧). وهذا ما يحيله ربما إلى مهنٍ متقاربة في أفلامه، في الدعارة كما في “تانجرين” (٢٠١٥)، وفي أفلام البورنو كما في “ريد روكيت” (٢٠٢١). في فيلمه الأخير الحائز السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائية هذا العام، “أنورا” (Anora)، نقل المخرج شخصياته إلى مركز مديني ومهني، إلى حالة ثراء هي على النقيض من الهامش الذي عرفناه في سينماه، لكنه، الثراء، كذلك مؤقت وقلق، وهو كذلك يثبّت حالة الهامشية لشخصياته.

من بعد شخصية بائعة هوى وأخرى لنجم بورنو في أفلامه، استخرج بيكر شحصية من مهنة مجاورة لفيلمه الجديد، هي راقصة تعرٍّ في نادٍ ليلي. تلتقي أنورا بشاب، زبون، وتنشأ علاقة مربكة بينهما. هو ابن لأحد أثرياء روسيا، طائش عاطفياً ومالياً، وجدت هي فيه بدايةً رزقاً استثنائياً. العلاقة التي ستبدأ بعلاقات جنسية مقابل المال، تطورت بقبولها عرضه مرافقتها له لأسبوع، ثم الزواج.

القسم الأول من الفيلم وإن استطال، كان منغمساً في ملذات أنورا والولد، زوجها، مشاهد طويلة من كافة أنواع المتعة والسهر والكسل، وذلك قبل أن يعلم والداه بزواج ابنهما من راقصة، فتنقلب الدنيا على رأسه، وينقلب الفيلم إلى طرفه الثاني، ليتحول إلى رحلة البحث عن الولد الذي هرب تاركاً امرأته مع رجال عصابة لأبيه، رحلة يقوم بها الرجال، برفقة أنورا الحبسية لديهم.

الفيلم بكليته يتغير، من علاقة حب مرتبكة عند أصحابها، إلى ملاحقة وبحث، من فيلم رومانسي إلى آخر لمافيا. يصل والدان وتبدأ محاولات إلغاء عقد الزواج وإعادته معهما إلى روسيا. هنا، تتبدى ملامح علاقة حب يمكن وصفها بالحقيقية، بين أنورا وأحد الروس المشاركين بالبحث عن الولد، وهو أقرب ليكون حارساً في عصابة عند الأب.

ليست المشاعر واضحة في كل من العلاقتين، وأنورا الممتهنة للرقص بالتعري ولممارسة الجنس مقابل المال، ماهت بين رغباتها ونواياها. لا يهم، في ذهن أحدنا، إن كانت تحب الولد أم تلاعبت به من أجل المال، إرادتها بالبقاء معه، وبالدفاع عن زواجها، بشراسة، هي الأكثر سطوعاً. لم يكن ضرورياً التفصيل في ما هو خلف سلوكها الدفاعي، كأن لا مجال لأحد أن يقتحم تلك النوايا أو الرغبات لتعريفها، ويبقى المتفرّج محصوراً في سلوكها الذي بررته السياقات، دفاعاً عن نفسها أولاً، ثم كما قالت، صح ذلك أم لم يصح، عن زواجها.

الفيلم سؤال طويل في خصوصية المشاعر، في استثنائية تعريفها، وحصريتها بصاحبها. فالمشاعر لا تُساءل ولا يُحقَّق في صلاحها وصلاحيتها. تؤخذ من سلوك صاحبها وكلامه وحسب، فأكثر ما كان يثير غضب أنورا كان التشكيك بعلاقتها بالولد، ومحاولة إهانتها بوصفها بالعاهرة بسبب مهنتها.

دافعت أنورا، بعنف مستحَق، عن حقها في امتلاك المشاعر التي تريد، وحقها في اختيار المهنة التي تريد. منذ بدء علاقتها بالولد إلى نهايتها، لم تتوقف عمليات إرباك المُشاهد الذي ما كان ليعلم، تماماً، مدى جديتها في علاقتها، إن كان حباً أو اغتنام فرصة، لكنه، كحال الشخصيات في الفيلم، ما كان أمامه سوى تصديقها أمام دفاعها المستميت، وغير الرحيم ولا المساوم، أمام خياراتها ومن دون تبريرها.

فيلم «أنورا»… حين تكون المشاعر خارج السؤال

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.