1
اكتب تعليقُا

“سلمى”… أو كيف تشهد زوراً

بالقدر ذاته الذي يمكن فيه لفيلم أن يكون وثيقة تاريخية، يمكن لآخر أن يكون شهادة زور في التاريخ ذاته. الجهة من التاريخ التي يقف فيلمٌ وصانعوه عليها، تُحدّد مكانة الفيلم في سردية شعب بعينه. حالتنا هنا هي السورية، والفيلم هو “سلمى” لجود سعيد.

بمعزل عن الجهة التي وقف عليها من تاريخ البلاد، انفصل الفيلم عن الواقع السياسي والاجتماعي السوري ليقدّم، كأي عمل دعائي، صورةً متمناة لقرية وادعة. الصورة الأفيونيّة هذه لا تعتّم على واقع نقيض وحسب، بل تقترح بديلاً بخفّة سمسار وخسّته.

يبيعنا الفيلم سوريا مغشوشة. صورةً تزوّر واقعاً عرفنا عن فظاعاته قبل أن نقرأها بالمعلومة ونراها بالصورة من بعد سقوط نظام الأسد وتكسّر سجونه. الفيلم الذي أُنجز قبل السقوط وارتداداته التكويعيّة لفنانين ومثقفين، كان، بذلك، دعاية أخرى لنظام شاعت أخبار استقراره في السنوات الأخيرة. وكان، لذلك، شهادة زور وصلَ سوءُ حظّها ذروتَه في أن النظام سقط أياماً بعد العروض الأولى في مهرجان القاهرة السينمائي، فما كان له سوى مواصلة مشواره بشهادة تنضح افتراءً، عن حياةٍ سورية ما قبل سقوط النظام.

يحكي الفيلم عن سلمى (سلاف فواخرجي)، مدرّسة في قرية ساحلية، تحاول تغيير عملها، تجد في الدروس الخصوص لابنة مسؤولٍ متنفّذٍ مصدراً للدخل. اشتهرت سلمى في فيديوهات تظهرها تنقذ آخرين إثر الزلزال الذي ضرب سوريا والمنطقة أخيراً. يحاول المتنفذ استغلال شعبيتها لتَرشّح مقرّبين منه لمجلس الشعب فترفض وتقرر الترشّح لمنافستهم (نعم، في سوريا الأسد)، تتقدّم الكذبة الميلودرامية هذه بما يجعل الفيلم أقرب إلى عمل تلفزيوني لكوميديا النظام السوري ثقيلة الظل (باسم ياخور)، بتهريجها المبتذل وعنفها الجسدي واللفظي المجاني. لا سينما في هذا الفيلم، مجرّد نَسخٍ لإرثٍ مسلسلاتيّ في الشكل، ودعائي في المضمون، وتسطيحي في كليهما.

يبدأ الفيلم بما يوازي طوله سوءاً، سلمى تحمل كرتونة مساعدات مطبوع عليها العَلمان السوري والإماراتي. في مشهد أوّل وشديد الوضوح كأنّه “لوغو” شركة إنتاج أو توزيع للفيلم. هذا استهلال لما سيليه، تقدّمَ الفيلم وانتهى بانسجام مع هذا “اللوغو” السياسي تماماً، متمركزاً حول الزلزال ككارثة إنسانية، والمكانة الاجتماعية التي حصلت عليها سلمى لما قامت به. وسلمى، بالمناسبة، زوجة “مفقود”، نفترضُ أنه معتقل في سجون النظام. هو تفصيل ثانوي في حياة سلمى الريفية، وتحدّياتها أمام عملها وسمعتها واحتياجات العائلة التي تعيلها.

في الفيلم كارثة طبيعية، في بلد بدى طبيعياً، معافى سوى من انقطاع الكهرباء المتكرر، يتخلله حديث عن “الشهداء” من مقاتلي النظام. أما التزوير فكان، إضافة إلى هذه “الطبيعية”، في الغموض حول الزوج “المفقود”، عدا عن هامشيته. فإشارة إلى السجن في سياق جعل من الزلزال كارثة البلاد ومن انقطاع الكهرباء والفساد همّ أهلها، لا تعني سوى تحجيم للسجن في صفّه إلى جانب تفاصيل أخرى في حياة سلمى وعائلتها. فالتغييب أقل إجحافاً من الاستحضار للتحجيم. هذا عدا عن أن الذّكر الأكثر للسجن في الفيلم كان في مبادرة النظام بالعفو الرئاسي والإفراج عمّن لا ارتكابات “إرهابية” في سجلّهم.

الصورة هنا تحوي عناصر، أضيءَ على بعضها وعُتّم على آخر. الصورة هنا ممنوحة بمساحة عريضة لعناصر، وبزاوية ضئيلة لأخرى. لا يكون الزور محترفاً من دون حقائق تكون هامشية لا تغيّر من المركزية الكبرى للصورة، حاضرة لكن لا تلفت النظر، حاضرة لكن لخدمة غيرها، حاضرة لتتحجّم، حاضرة رمزياً لتغيب واقعياً. هذا كان حال التفصيل الهامشي عن اعتقال الزوج، أو “فقدانه”، مقابل متنٍ تعيشه سلمى في قريتها، في بلد مسالم، يعكّر صوفه بعض المتنفّذين. لا يصلح الفيلم لنقل واقع سوري حتى لذلك السابق لسنة ٢٠١١، ما يجعله اليوم، مقابل تراجيديّة الحالة السورية، دعايةً لمنتَج خلصت صلاحيته، أو بان فساده إثر حالات تسمّم، فسُحب من السوق غير مأسوف عليه، ولا تزال الدعاية، لضرورات إنتاجية، مواصلة عروضها.

لجود سعيد فيلم سابق هو “مطر حمص”، سطى لتصويره على أحياء مدمرة من مدينة حمص، وقد هجّر النظام أهلها. فكانت الأحياء المدمّرة ديكوراً لدعاية مباشرة للنظام، أضاف إليها تدميراً بتفجير منازل هناك لخدمة التصوير. هنا، في “سلمى”، لم يسطُ المخرج على أحياء البلاد بل على أرواح أهلها، السوريين المعتقلين والمغيبين والمقتولين والمنفيين، لتصوير دعاية لا حرب فيها ولا فظائع، فقط امرأة محترمة ومحبوبة، ترفض الفساد، زوجها مختفٍ وحسب.

الفيلم شهادة لا عن واقع سوريا، بل عن صورةٍ عملَ النظام عليها طويلاً، فبقدر ما هو شهادة زور لواقع البلاد، هو شهادة حقّة لواقع النظام. الفيلم خطابٌ سينمائي للنظام يقول إنّ الأمور “عادت إلى طبيعتها” في سوريا، وإنّ هموم الناس عادت إلى ما كانت عليه ما قبل سنة ٢٠١١، كهرباء وفساد ومقابلهما حياة هانئة، ريفيّة، بجبال خضراء وسماء زرقاء.

لا سجن أحمر في صيدنايا جود سعيد.

فيلم «سلمى»… أو حين تصبح السينما شهادة زور

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.