1
اكتب تعليقُا

ديفيد لينش… شيخ الطريقة

حالات استثنائية لا يكون فيها رحيل سينمائي ما، رحيلاً متكاملاً لمنجزَه، فالبعض يتخطاه منجزه إلى آخرين، تبعوه كأنه “غورو”، بوصفه شيخ طريقة، معمّرين ما أسّسه من تيار أو أسلوب سينمائي جعل من رحيل المؤسس انتهاءَ مرحلة تعني، بالضرورة، بدءَ أخرى. هذه الأخرى اتخذت ملامح لها من أفلام قليلة، وقد تمتد إلى ما بعد رحيل ديفيد لينش، في ما عرف مسبقاً وسيُعرف، ربما بشكل أوسع، لاحقاً، باللينشيّة.

قليلة هي الحالات السينمائية حيث يشكل مجموع أفلام أسلوباً يتخطى صاحبه إلى آخرين. لا يعتمد ذلك على جودة الأفلام وخصوصية صانعها وحسب، فكثير من المخرجين العظام في التاريخ لم تؤسس أفلامهم أسلوباً امتد إلى آخرين، لا لعيب في هذه الأفلام أو نقص، بل لأن عظمَتها لم تكن في أسلوبية استثنائية تطلبت التعدي إلى تجارب آخرين، أو أنها كانت بأسلوبية استثنائية استعصت على التعدي إلى تجارب آخرين. حالة ديفيد لينش (١٩٤٦-٢٠٢٥) كانت مختلفة هو، أشبه بشيخ صوفي، إذ أغوت أفلامه في الاتباع، ليكون هو شيخ طريقة سينمائية، مع استعصاء في الوصول إلى درجة الخدر، التجلّي، التي أحدثتها، فكانت أفلامه، القليلة وبعض منها تحديداً، تحفيزاً دائماً، جاذباً مغرياً، لا يصل التابع إليه، فيمضي، أو تمضي الأفلام التابعة، المحاولةَ في التجلي، إلى ما شاء الله.

لكن ما هي اللينشية؟ يصعب حقيقةً شرحها، كما يصعب شرح أفلام لينش ذاتها. إن اقترح أحدنا على آخر مشاهدة فيلم للينش، واحد من رباعيته مثلاً، والتي أسست وأكملت أسلوبه أكثر من غيرها، «بلو ڤلڤت» (١٩٨٢) و«توين بيكس» (الفيلم – ١٩٩٢) و«لوست هايواي» (١٩٩٧) و«ملهولاند درايڤ» (٢٠٠١)، وسئل “عمّ يحكي الفيلم؟”، لفعل خيراً صاحبنا بسحب اقتراحه. فلا إجابة تكون بغير المشاهدة. أفلام أخرى للينش تحوي عناصر لينشية لكن بفداحة أقل، من «إريزرهيد» (١٩٧٧) حتى «إنلاند إمباير» (٢٠٠٦)، مروراً بفيلم السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي، «وايلد آت هارت» (١٩٩٠).

ليشن هو السوريالي الأمريكي الأول، استحضر هذا التيار من شتى فنونه في أوروبا، ملبساً إياه حالات وأمكنة أمريكية، في قصص جرائم وتحقيقات، ضمن غرائبية في الشكل والمضمون، فلا منطق ثابت ولا سردية خطية، ولا تبريرات لمَشاهد أو حوارات لا تفعل بمتلقّيها سوى التشتيت، ما يجعل من الفيلم، في قسم كبير من محاولات تلقّيه، حالةَ تأمل سمعية بصرية سردية، وعوالم خاصة. كأن لينش، الممارس المحترف للتأملية التجاوزية (Transcendental Meditation) يتقصّد تمرير تجربته الماورائية هذه إلى المشاهدين عبر زمن الفيلم.

ليس الفيلم اللينشيّ عملاً سينمائياً أخرجه ديفيد لينش، وكفى. فلنفهم أكثر موقع لينش من أفلامه. الفيلم بالنسبة له لوحة تتحرّك، هذه الفكرة أو الصورة هي التي حملته من الرسم وقد أراد أن يكون فناناً في صباه، إلى السينما. ثم، وهو الموسيقي التجريبي كذلك، لينش مصمم الصوت في معظم أفلامه، وهو طبعاً كاتبها. الفيلم إذن صورة وصوت يتحركان، وسردية تتحرك عشوائياً. وهو محاولة تأملية لا تخلو من الغرائبية. هذا ما يجعلها أقرب إلى الأحلام. الفيلم عند ليش كذلك، إذن، حلم يتحرّك.

ارتقى ديفيد لينش في تأملاته السينمائية، إلى تصوير الأحلام. ما فعله لم يكن استعادتها أو استحضارها أو تحقيقها، بل غاص هو إليها، أو طار إليها، متسللاً، مخفياً الكاميرا، ليصوّر لنا أخيراً أفلامه من هناك، من أحلام وصلَها بالتأمل المتجاوز للحقيقة والواقع، لما يتوجّب تصويره في فيلم سينمائي. فإن كانت أفلام الجريمة تصل خواتيمها، بالإفصاح، بالإجابة حول هوية القاتل، تحوم أفلام لينش حول الخواتيم ذاتها من دون تكلّف الوصول إليها، فلا غاية ختامية من التأمل، بل تكمن الغاية في الممارسة ذاتها. الغاية في أفلام لينش ليست معرفة اسم القاتل، بل تتجلى في السؤال ذاته: من قتل لورا بالمر؟

سينما لينش صوفية ما بعد حداثية (الاثنتان معاً)، أوروبية أمريكية (الاثنتان معاً). هي سطو على أفلام “النْوار” البوليسية لإضفاء السحر عليها. المنطق التسلسلي في أفلام التحقيقات سكبه لينش أرضاً كفنجان قهوة لم يستطيب مذاقه. معه صارت الجريمة بلا فاعل يُبطل سحرها، وصارت التحقيقات بلا منطق يُثقل عليها. لكن، وهذا من أسحار لينش، يتابع أحدنا الفيلم إلى آخره، في محاولة ملحّة لاكتشاف فاعلٍ ما (غير حاضر)، وقبله لمنطقٍ ما (غير حاضر)، قبل أن يدرك، أحدنا، أن الغاية في الطريق لا الوصول، في السؤال لا الإجابة. فينتهي الفيلم من دون أن ينتهي، أو لا ينتهي فيلمُ لينش أبداً.

ديفيد لينش… شيخ الطريقة وملهم الأتباع

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.