يهوى المخرج الإنكليزي ريدلي سكوت الملاحم، المعارك التي يصورها بتوظيف عالٍ، لهوسه بتفاصيلها أولاً، ولتقنيات مدهشة ثانياً، مع ابتكار خيالي وجدناه في فيلمه الأخير، فنتازي مستمد، غالباً، من أفلام سابقة له، الفضاء والحروب وما جاورهما.
هذا المخرج الذي يسابق سنّه المتقدّمة بالمزيد من الأفلام، وبمستويات مختلفة لكنها، جميعها، إنتاجات ضخمة يرافقها دائماً جدالات بات يعتقد أحدنا أنها مقصودة وهي ضمن حملة تسويق خاصة. لا يتعلق ذلك بالضرورة بجودة الأفلام، فمعظم ما أخرجه سكوت كان عادياً، فيلماً ضخم الإنتاج، هوليوودياً نمطياً، يجول بين الحروب والتشويق والحركة والفضاء والفانتازيا، وذلك بعدما انحرف، متطرفاً، بعيداً عن واحد من أوائل أعماله، ومن بين الأجمل في موضوعه، “تيلما ولويز” (١٩٩١)، في قصة صديقتين تهربان من الشرطة، بكوميديا إنسانية وواقعية، واحدة من مآسي هوليوود أن مخرجين بإمكانيات كالتي لريدلي سكوت، يتركون هذا النوع السينمائي الفني للانغماس في ما يهواه صانعو الإنتاجات الضخمة ومستهلكوها.
في كل الأحوال، لم يخرج سكوت عن نوعه السينمائي الذي عرف به في السنوات الثلاثين الأخيرة، لكنه ارتقى بفيلمه الأخير “غلادياتر ٢” (Gladiator II) إلى قمة عمله السينمائي الحربيّ، فبعد عمل متعثّر العام الماضي هو “نابليون”، اتّكأ سكوت على عمل سابق له وكان ممتازاً هو “غلادياتر” (٢٠٠٠)، ليعود بجزء ثانٍ كان امتيازاً جديداً.
الفيلم ملحمي تماماً، ساعتان ونصف الساعة من التوتّر، من الترقّب، لم تفلت من المخرج خمس دقائق من دون تصاعد في الأحداث أو تحضير لها. حمل الفيلم عوالم روما القديمة وحروب المصارعين والعبيد فيها، في المدرجات التاريخية، حملها إلى عوالم جديدة لم يتوقعها أحدنا في شروط واقعية الحدث الروماني، زماناً ومكاناً، جعل الفيلم من السياق واقعاً لإمكانات أخرى، فلا يواجه المصارعون في الحلبة نموراً وأسوداً، بل وحيد القرن، وقروداً متوحشة أشبه بكائنات فضائية، وفي ابتعاد تام عن واقعية السياق، ستصير الحلبة بحراً هائجاً امتلأ بأسماك القرش. لم يتكئ بذلك سكوت على الجزء الأول من الفيلم ونجاحه آنذاك وحسب، بل كذلك على تجاربه في أفلامه الأخرى. فكانت روما مسرحاً سينمائياً كل ما فيه متاح. أما الامتياز المضاعف للفيلم فكان بالضرورة لكل من بول ميسكال ودينزل واشنطن وبيدرو باسكال.
سيشن الرومان حرباً على شمالي إفريقيا، سيؤخذ ميسكال أسيراً ليكون مصارعاً بفضل جسارته وقوته، سنعرف أنه الطفل الذي كان في الجزء الأول، ابناً للمصارع البطل آنذاك. سيحاول قتل الجنرال الروماني قبل أن بعرف أنه صديق سابق لأبيه وأنه زوج أمه، تتطور المجريات سريعاً نحو تراجيديا تتطلبها أفلام ملحمية كهذه، في ما بدا أقرب إلى حكاية إغريقية عن الخير والشر، مسرحها يبدأ من الحلبة ويمتد إلى الامبراطورية، في تمهيد إلى جزء ثالث من الفيلم الذي يتحول إلى سلسلة.
للإنتاجات الضخمة، حيث الضجيج يملأ القاعة على طول الفيلم، وهو حال هذا الفيلم، لهذه الإنتاجات اعتماد ثقيل على المؤثرات، على مهارات التقنيين، على مصادر إلهاء المُشاهد وجعله مستهلكاً ملاحقاً لتتالي المؤثرات وأساليب الإدهاش البصرية. هنا، لم يخلُ الفيلم من ذلك، وكاد أن يقع في أسر هذه المبْهِرات المبَهِّرات. إلا أنه اعتمد كذلك على كتابة ماهرة، فلم يخبُ السيناريو، بحواراته البديعة، مقابل ضخامة التقنيات، أضواء وأصواتاً. بل صفّ إلى جانبها ليَخرج الفيلم التجاري، غير المكترث بالمهرجانات الكبرى لتقديمه، بجانب فنّي، ضمنيّ، وإن لم يكن رائعاً، لم يكن خافتاً مستحياً من ولع التقنيات وهلعها.
الفيلم الملحمي هذا، متكامل، مبهر، ممتع. يتملّك الحواسَ من أول دقائقه إلى آخرها.
