1
اكتب تعليقُا

غسان أبو ستة في “حالة عشق”… الكارثة بأثرٍ رجعي

يرفض الطبيب الفلسطيني غسان أبو ستّة، في الوثائقي، أن يكون بطلاً، تصرّ المُخرجة وتقول: أنت بطل. يعرف الكثيرون القليلَ مما فعله أبو ستّة في قطاع غزّة ومن أجل أهلها، خلال حروب شتى، وقد ذهب إلى القطاع ٨ مرّات، منذ انتفاضة الحجارة حتى الحرب الإبادية، ودائماً كطبيب ومتطوّع.

يكفي ما عرفه أحدنا من تضميد للجراح الغزّية على أيدي الطبيب، خلال الأشهر الأولى من الحرب الإبادية، ليسمّي ذلك بطولة، واستثنائية، رغم تواضع أبو ستّة الذي لم يترك مشافي غزّة بجرحاها، مرّة، لوحدها.

الفيلم الوثائقي للمخرجتين كارول منصور ومنى الخالدي، “حالة عشق: غسان أبو ستة” فعل ما رغب به الطبيب أخيراً، التغاضي عن بطولته -وإن كان لا بد من مَشاهد وشهادات عن حضوره في القطاع- بالانتقال إلى حياته اليومية، مشاغله المهنية والعائلية، ما بعد خروجه من القطاع وعودته إلى بيته في لندن.

لكن، لم يكن ذلك إلا إضافة في بطولةٍ لإنسان عرفناه في الوثائقي في صفته الإنسانية، الأب والزوج وحتى الإبن، لتكون البطولة التي مازح بشأنها منها أبو ستّة في الوثائقي، للتخفّف من وطأتها ربما، أو تواضعاً ولطفاً، لتكون من خلال التصوير اليومي للأب الذي يعدّ سندويشات المدرسة لأبنائه صباحاً، ويكنس البيت قبل الخروج للقاءٍ في البرلمان البريطاني، لتكون البطولة هذه إنسانية وحميمية بقدرٍ يوسّع في أذهاننا، بالنظر من الخارج، مديات استيعابنا لما حصل ويحصل في قطاع غزّة من حرب لا تزال تأتي على أرواح الغزيين وبيوتهم.

ليس، إذن، غسان أبو ستة بطلاً في الوثائقي، بمعنى أنه ليس استثنائياً، بل طبيب استجاب بإخلاص لإنسانيته ثم وطنيته، في ظرف استثنائي. صحّ قوله إذن بأن لا بطولة له. لكن السلوك العادي، المهني والإنساني، في ظرف غير عادي، هو نوع آخر من البطولة، وربما أكثر عفوية وأقل ادّعائة.

كان يمكن للوثائقي أن يبدأ من الحالة البطولية للطبيب، وأن يركّز على مآثره في مشافي القطاع تحت القصف، فيأخذ السردَ إلى نواحٍ غير عادية، لطبيعة الظرف غير العادي. لكنّ اختيار الغوص في الحياة اليومية، الحميمية، للأب والزوج، منذ أولى ساعات الصباح وعلى طول النهار، برفقته في حياته اللندنية، منحَ للظرف الاستثنائي ذاك، من خلال اليوميات العادية، منحه واقعيته وبالتالي موثوقيته. ينشغل أبو ستة بالغزيين وحيواتهم، في لندن، بقدر ما كان يفعل في القطاع.

العدسة الموجَّهة إلى ما يحصل في غزة، بتقابلها سردياً مع أخرى موجَّهة إلى حياة خارجها كان الطبيب صلة الوصل بينهما، لا تُظهر، العدسةُ بهذا التقابل، البطولةَ الفعلية بمرورها من عدسة إلى أخرى، وحسب، بل تُعلي من هذه البطولة من خلال التناقض بين المكانين، فيكون قطاع غزة والحاصل فيه أشدَّ واقعية وموثوقية وحقيقية. هنا تماماً، يكون أبو ستة بطلاً، وإن كان هو بلطفٍ وتواضعٍ حثّاه على رفض التوصيف. هنا تَصدق المخرجةُ في تعليقها من خلف الكاميرا: أنت بطل.

لم يبتعد الفيلم عن عموم الشغل المشترك لكارول منصور ومنى الخالدي، فمن خلال حالات فردية، حيث تدخل الكاميرا في يوميات الأشخاص وهمومهم وحميمياتهم، تتشكّل مع تقدّم الفيلم سرديةٌ جمعيّة من خلال الفرد، وبهذه السردية ندخل في مواضيع تتراوح بين حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وبتمثيلات ذلك في مجتمعات المشرق العربي، من اللجوء إلى الهجرة، في فلسطين ولبنان تحديداً.

الشغل السينمائي لمنصور ينطلق من الأفراد والقصصة الهامشية التي لا يجد المارُّ أمامها، في الواقع، أي معنى استثنائياً لها. تجمعها هذه السينما وتعيد سردها، ومن خلالها تُقدّم قضايا كبرى تكون، القضايا ومن خلال التفاصيل، أو المتن من خلال الهامش، أقرب إلى العقل والقلب بالدرجة ذاتها. في هذه السينما يكون الهامش استثناءً، وذا شأن، فالسرديات الكبرى هنا تتألّف من هموم شخصية تصفُّ واحدتها إلى جانب الأخرى، لتغزل معاً قصةً كبرى بأفرادها، بأسمائهم ويومياتهم.

سنعرف بأثر رجعي لما هو مستمر، أو لا يزال مستمراً، عن الحرب الإبادية على قطاع غزة، من خلال “حالة عشق” والسلوك والكلام اليومي والعادي والهامشي فيه. تضميد جراح غزّة كما شاهدناه في عمل أطباء من بينهم كان غسان أبو ستة -هم حقيقةً أبطال- سيبقى خبراً وتقريراً صحافياً لما حصل، بالفعل الماضي، إلى أن نسمعه ونحسّه ونراه في كلام الطبيب الخارج من الكارثة ليحكي عنها بصيغة الماضي المستمر فيستدرك مستعيداً كلامه إلى صيغة الحاضر، كأنّ للكارثة أثراً رجعياً متكاثِراً، لا ينتهي.

غسان أبو ستة في «حالة عشق»… الكارثة بأثرٍ رجعي

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.