1
اكتب تعليقُا

“أيام قرطاج السينمائية”… هناك حيث تمتلئ الصالات

الحديث السينمائي العربي يستحضر دائماً فكرةَ المسافة الفارغة الفاصلة بين الصالة والجمهور، أو المهرجان والجمهور، وتالياً بين السينما والناس، لتقتصر العلاقةُ هذه، بفيلم تكون المشاهدةُ له فردية ومنعزلة وعلى شاشات صغيرة، وقد تكون متقطّعة فيُشاهَد الفيلم بالتقسيط.

عادات المشاهدة السينمائية تضرّرت في الأعوام الأخيرة لأسباب يطول شرحها، وهذا الضرر يتضاعف في الحديث عن المهرجانات العربية، لشكوى أساسية هي ابتعاد المهرجان عن جمهور هو بعيد أصلاً عن السينما خارج إطار المهرجان الزماني والمكاني. فتكون المسافة الفارغة والفاصلة تلك، أوضحَ خلال المهرجان، تحول ما بين الجمهور المحلي بوصفه جمهوراً متفرّجاً، والسينما بوصفها حدثاً ثقافياً فنياً أهليّاً في المدينة.

هي أزمة عربية عموماً، فلا يُحسِن هذا المهرجان أو ذاك في تقصير المسافة بين الجمهور المحلي، في المدن والبلدات، وبين صالات السينما، ليكون الحضور في الصالات، عموماً، مقتصراً على مدعوّين ومختصّين ومهتمّين ومَن حولهم. ولا يلوم أحدنا طرفاً بعينه في ذلك، فأسبابٌ تتخطى المهرجانات تحسم في هذا السلوك، منها عادات المشاهدة السابقة للمهرجان واللاحقة، وبالتالي طبيعة العلاقة بين الناس وصالات السينما، وهو سبب ثقافي، ومنها سبب اقتصادي يكمن في أسعار التذاكر بالمقارنة مع جدوى المشاهدة أو موقعها في سلم أولويات مجتمعات وطبقات بعينها.

مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” متفرّد في مخالفته الصورةَ أعلاه.

يسمع أحدنا عن جمهور “أيام قرطاج السينمائية”، يسمع أنه “غير”. يعرف أحدنا عن الاهتمام الشعبي بالآداب والفنون في تونس، يعرف عن الحالة الجيّدة للفنون، إنتاجات ومهرجانات، وللسينما منها تحديداً. لكن بات مسلَّماً عربياً، القول بطبيعية حالة القطع بين الصالة والمجتمع المحلي، ما يودي إلى حالة قطع أكبر تكون بين المهرجان وهذا المجتمع. الحديث العربي هذا، كان باستثناء لـ “قرطاج” كما شهدتُ في زيارتي الأخيرة.

كان لي فرصة المشاركة ضمن لجنة تحكيم “الأفلام الوطنية” في الدورة الأخيرة من “أيام قرطاج السينمائية” (١٤-٢١ ديسمبر ٢٠٢٤)، وكانت الأمثل لاكتشاف الحالة التونسية في موضوعنا هذا. كنت وباقي أعضاء اللجنة، نمرّ على صفّ من المنتظرين للدخول إلى الصالة، وعلى مجموعة من المتزاحمين عند بابها. ولو لم تشفع لنا بطاقة “لجنة التحكيم” لتخطِّي كل ذلك، لكُنّا كغيرنا ممن انتظر طويلاً ولم يجد مكاناً فعلقَ خارج الصالة. عادة ما تكون المهرجانات بصالاتٍ أكثرُ من نصفها فارغ، في تجربتي التونسية هذه امتلأت مقاعد صالة “الفن الرابع” في مركز العاصمة تونس، بجالسين داخل الصالة وخارجها.

اختصّت الصالةُ بعروض هذه المسابقة المحصورة بالأفلام التونسية. هنا أتى الناس لمشاهدة أفلام لا هي إنتاجات عالمية ضخمة يواكب بها المتفرّج مشهداً ترفيهياً عالمياً، ولا هي أعمال فنية آتية من مهرجانات أخرى يواكب بها المتفرّج أفلام الجوائز الكبرى. الناس هنا جمهورٌ لإنتاجهم الوطني، لأهلهم، بلغتهم ولكناتهم، بقصص وشخصيات تشبههم. وثائقيات وروائيات، طويلة وقصيرة. يفهم أحدنا أن لذلك أثراً في زيادة امتلاء الصالة، ففريق العمل في الفيلم حاضر وربما بعض الأصدقاء، لكن هذا الامتلاء الدائم، وتجمُّع آخرين على الباب بعد إغلاقه، يخبّر جديداً في علاقة المُشاهد العربي بالفيلم العربي، ويمنح مثالاً لإمكانية ترميم المسافة المتعرّجة بين المهرجان، أيّ مهرجان سينمائي وفنّي عربي، وجمهوره.

لم يكن ذلك مفاجئاً، ففكرة مسبقة كانت لديّ عن “جمهور قرطاج”، لكن رؤيته بشكل حي، والشهادة عليه وعلى الترحيب الحار قبل العرض وبعده من قِبل الجمهور، للفيلم وصنّاعه، بل والتزاحم مع المتزاحمين دخولاً وخروجاً، بعثَ لديّ على الأمل بأحوال تونسية تكون احتمالاً عربياً. فالسلوك السينمائي ليس، أساساً، بمشاهدة فردية منعزلة، وليس، أساساً، لإنتاجات أجنبية. هنا، المجتمع المحلي يشاهد أعمال أبنائه وبناته، في مهرجانهم. هنا الصالة تعتمر بالنّاس. هنا الفرحة والحماسة مشعّتان ومتبادَلان، بين الشاشة وأعين أهلها، مَن حظي منهم أخيراً بمقعد مقابلها.

«أيام قرطاج السينمائية»… هناك حيث تمتلئ الصالات

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.