1
اكتب تعليقُا

قيس الزبيدي… الإيثار بالتوليف والتوثيق

لا تكثر الأسماء إن حاول أحدنا التفكير بعاملين في السينما العربية، كرّسوا عموم شغلهم لأعمال آخرين. يصعب على أحدنا أن يجد مكاناً، أصلاً، للإيثار المدموجة بالثقافة التخصصية والوعي الفكري، في السينما العربية. اسم واحد يبرز من دون تردد في ذلك، هو الراحل قبل أيام، قيس الزبيدي الذي اكترث بأعمال غيره من خلال إبداعه التخصصي في المونتاج أو التحرير، أو الكلمة العربية التي أفضّلها: التّوليف.

حالتنا تثبتان أولوية الإيثار لدى الزبيدي أذكرهما هنا، والحديث مهني وسينمائي عن هذا الرجل الذي كان فلسطينياً وسورياً بقدر ما كان عراقياً. الأولى هي عمله في التوليف، بل حضوره الأساسي في عموم الصناعة السينمائية العربية في زمن مضى، بوصفه مولّفاً، الثانية هي التوثيق للسينما الفلسطينية في كتابين معجميين.

للسينما غواية، الكل يريد أن يتخطى التخصصات لينال حصّةً من نجومية الإخراج السينمائي. هنالك خلل في فهم السينما، عربياً. لا أقول إن تغييباً تعاني منه التخصصات الأخرى ضمن الصناعة السينمائية، بل قلة وعي لمكانتها وقلة اعتبار، بالتالي، لحضورها. الاحتفاء المهرجاناتي والإعلامي يكون للمخرجين والمخرجات، وهذا مطلوب متى كان باستحقاق، ومتى لم يكن على حساب عاملات وعاملين في تخصصات مجاورة وضرورية للإخراج، لا يكون الأخير مجدياً من دونها، كالتصوير والمونتاج والسيناريو.

يتساءل دائماً أحدنا، لمَ، في السينما العربية غير التجارية، يكون الاعتماد الأساسي في التخصصات، هذه وغيرها، على مهنيين أجانب؟ إجابة افتراضية وغير حاسمة وشاملة لكن مشروعة، تكون في الانجرار إلى غواية الإخراج، الجميع إذن يريد أن يكون مخرجاً، والتخصصات المهنيّة تُترك للأجانب. الوعي الناقص في هذا المنطق لم ينَل من قيس الزبيدي، المولّف، أو المونتير أو المحرر، الذي أودع بصمات له في تاريخ من السينما العربية البديلة، من خلال تقطيع الصور ولصقها، ليسعد بها كل من صانع الفيلم ومُشاهده.

هو المولّف الأول، والدائم، في نوعين من السينما لزمن واحد، السينما الوثائقية وكذلك الروائية، السياسية والاجتماعية، تلك النضالية وتلك الروائية البديلة. الحديث عن سينما الالتزام السياسي والاجتماعي والفكري للمشرق العربي ما بين الستينيات والثمانينيات، أي زمن الثورة الفلسطينية والمد اليساري العربي، لا يصحّ، الحديث، من دون مساحة خاصة لقيس الزبيدي. هو الذي منح براعته لمساحات آخرين.

لكنه كذلك مخرج، ولأفلام لها مكانتها في سيرة الأفلام الوثائقية الفلسطينية والعربية، منها “بعيداً عن الوطن” (١٩٦٩)، “الزيارة” (١٩٧٠)، “وطن الأسلاك الشائكة” (١٩٨٠)، “شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب” (١٩٧٢)، “فلسطين سجل شعب” (١٩٨٥)، “واهب الحرية” (١٩٨٩). كان يمكن للزبيدي بهذه الأفلام وغيرها، مواصلة العمل في الإخراج، في توقيع الأفلام باسمه، ما لم يختَر أن يسدّ حاجة في ذلك الزمان، ممتدة إلى يومنا، في ضرورة التخصص والاحتياج له. اختار أن يكون ذلك الساحر الصانع من المكوّنات البصرية والصوتية أمامه، سرديةً حسنة الترتيب.

لقيس الزبيدي مساهمة سينمائية مجاورة للتوليف، هي توثيق لسينما كان هو مولّفاً أساسياً لها في السبعينيات، السينما الفلسطينية التي، لحسن حظها، حرر الزبيدي كتابين معجميين، دليلين شاملين لا مفرّ منهما لأي باحث في السينما الفلسطينية: “فلسطين في السينما” (٢٠٠٦)، و”فلسطين في السينما (٢): ذاكرة وهوية” (٢٠١٩). كلاهما صادر عن “مؤسسة الدراسات الفلسطينية”.

كلا المجالين، التوليفي والتوثيقي، يتطلبان من صاحبهما حالة استثنائية من الإيثار، وقد كرّس الزبيدي حياته لأجلها، في تحسين أفلام غيره وترتيبها لتظهر بشكل لائق أخيراً، قدر الإمكان، وفي توثيق أعمال غيره وخدمة لآخرين هم باحثون ونقّاد للسينما الفلسطينية، لن تخلو مكتبتهم من كتابيه.

بنسبة أقل من الإيثار أمكن للزبيدي أن يكون مخرجاً عربياً آخر احتاج، دائماً، كغيره، مولّفاً بوعي فكري وسينمائي مشرقي، واكتفى بآخر، يكون أجنبياً فاقداً للغة وربماً الوعي. اختار الزبيدي التخصص في ما هو حاجة سينمائية عربية، اختار ما احتاجته السينما العربية ولا تزال، التوليف والتوثيق. رحل الزبيدي وبقيت أمكنته، التخصصية، فارغة.

قيس الزبيدي… الإيثار بالتوليف والتوثيق

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.