1
اكتب تعليقُا

“سيلَما” لهادي زكاك… شيء يشبه الأدب

في روايته “أولاد الغيتو – اسمي آدم”، يكتب الياس خوري حواراً بين شخصيته الرئيسية آدم، ومؤرّخ، حول رغبة الأول كتابة التاريخ من خلال ما سمعه من شهادات الناجين من مجازر النكبة:

«”هذه معلومات صحيحة”؟ سألني.

“كأنها صحيحة”، أجبته.

“هادا شغل الأدباء مش المؤرخين”، قال.

“وإيش الفرق”؟ سألته.

هز رأسه باحتقار، ومضى.»

في مواقع أخرى من الرواية يسخر خوري من المؤرخ الذي لا يدرس التاريخ سوى من خلال الوثائق الرسمية “الصحيحة”. يمنح الروائيُ قيمة عليا للتاريخ الشفوي غير المكتوب أو الموثَّق في أدراج الأراشيف، لتكون الأحاديث التي “كأنها صحيحة”، مساراً آخر للتاريخ يرويه الناس، ما عاشوه وما شهدوه.

من هنا يمكن مقاربة فيلم المخرج اللبناني هادي زكاك، “سيلَما” (إنتاج الجزيرة الوثائقية)، الذي وثّق التاريخ المعاصر لمدينة طرابلس من خلال صالات السينما فيها، بتوثيق تاريخ هذه الصالات من خلال كلام مرتاديها أساساً. واتخذ الفيلم لذلك شكلاً خاصاً، مانحاً الشهادات الشفوية مكانة المتن، المتربعة على طول الفيلم، فتأسس الفيلم على الكلام في الخلفية، مع صور ثابتة، وتأثيرات صوتية لخدمة الكلام والصورة.

من خلال أفراد وشهاداتهم، يسرد الفيلمُ أمامنا تاريخ مدينة، ومن خلاله تاريخَ لبنان، على طول النصف الثاني من القرن الماضي. كما يسرد تاريخ صالات السينما في هذه المدينة، من افتتاحها إلى إغلاقها ثم تحوّلها. ومن خلاله، مجازاً، يسرد الفيلم تاريخَ الصالات، لتماثل الأحوال، في لبنان والمشرق العربي عموماً. ليكون الفيلم، بالكلام المسترسل كأنه حوارات لا تنتهي، عملاً روائياً طويلاً، سينمائياً أو أدبياً لا خلاف كبيراً هنا. هو، بذلك، “شغل الأدباء مش المؤرخين”.

لكن روائية الفيلم، أو خياليته، لم تكتف بمضمونه بل امتدت إلى شكله، فلا صور متحركة هنا، بل كلام في الخلفية، وصور فوتوغرافية تتابع، ما يتيح للخيال العمل على ربط الكلمة بالصورة، على تحريك كليهما، والخيال أساس الأدب، والخيال متحرّر من سؤال “هذه معلومات صحيحة؟”. خيال المتفرّج هنا، عنصر تكوينيّ ضمن الفيلم، كأن المُخرج لم يرِد التدخل ما بين خيالين، الشهادة والمُشاهِد، المتكلّم في الفيلم والمتفرّج أمامه، والصور الثابتة كانت صلة وصل بين الخيالين، ليبقيا على الصفحة ذاتها في هذه السيرة للمدينة وللسينما، ومن خلالهما للبلد بأكمله.

عنوان الفيلم، “سيلَما”، باللفظة المتحوّرة لهذه الكلمة الأجنبية، اللفظة التي “كأنها صحيحة”، كأنها “سينما”. هي ليست صحيحة “علمياً” لكنها الأصحّ لموضوعها المستقى من أصحابه، أهالي طرابلس الذين حوّلوا الكلمة إلى أليفة تشبه الناس، تشبههم. ليكون الفيلم عن صالات السيلَما لا السينما.

في فصول تالية، يقدّم إلياس خوري حواراً على لسان آدم:

«”لكني لا أكتب تاريخاً”، أجيبه.

“ماذا تكتب إذن؟” يسألني.

لا أدري، أكتب شيئاً يشبه الأدب، أقول.»

الفيلم الوثائقي “سيلَما” شيءٌ يشبه الأدب، تمتزج فيه الذاكرة بالخيال. تموقعَت الذاكرة في المضمون وتموقعَ الخيال في الشكل. الذاكرة لأصحابها والخيال لسامعيهم. كأننا، أمام الفيلم، نستمع إلى قصص متفرّقة بدت عشوائية، جعل المونتاج منها ومن الصور، سرديةً جمعية واحدة مبنية على حيوات أفراد تقاطعت في هذه المدينة وفي صالاتها السينمائية. هي حكاية تشبه الأدب وتشبه التاريخ.

لكن هادي زكاك موثّق، مؤرشف. في عموم شغله السينمائي وثَّق لتاريخ لبنان الحديث، فلم يكتفِ بفيلم يشبه الأدب. الفيلم بمواضيعه وصوره، مبني على كتاب توثيقي، لمن يتقصّد التأريخ، وقد وجد من تقصّد الأدب مرادَه في الفيلم. الكتاب بعنوان “العرض الأخير: سيرة سيلَما طرابلس”، صدر عام ٢٠٢١ (زاك فيلمز)، وهو أشمل من الفيلم لطبيعة العملين وحجم الأخير.

الكتاب الفنّي ضخم، بقطع كبير يفوق ٦٠٠ صفحة، مُدعم بالصور التي رأيناها في الفيلم، ويغطي الجانبَ الآخر من تاريخ السينما في طرابلس. هو جانب بحثي، توثيقي بالمعنى العلمي لا الأدبي للكلمة، لا تعوزه المراجع والهوامش، ولا التأني في السرد لتوخّي الدقة، بخلاف الكلام وعفويته كما نسمعه في الفيلم. وتجول فصوله بين الجيل المؤسس، ونجمات الخمسينيات، ونجمات الميناء، ومدرسة السينما، وسينما الحرب، وغيرها.

التجربة التوثيقية متكاملة هنا، التاريخ الشفوي مرفقاً بالتاريخ المكتوب. ولأن العمل التوثيقي يمكن دائماً أن يزداد تكاملاً، سيرفق هادي زكاك كلاً من الكتاب والفيلم بمعرض فوتوغرافي بعنوان “سينما طرابلس: أركيولوجيا ذاكرة جماعية”، يقام في بيروت هذا الشهر، ما لم تحُل الحرب دونه.

لا يترك هذا العمل الثلاثي المتكامل، الكتاب والفيلم والمعرض، مجالاً للتشبيه. العمل التوثيقي هذا أدبيٌّ وتأريخيٌّ وفنيّ.

فيلم «سيلَما» لهادي زكاك… شيء يشبه الأدب

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.