1
اكتب تعليقُا

“بذرة التين المقدس”… الفجاجة تبطل القصة

للسينما الإيرانية جماليات خاصة بها، عرفناها أولاً مع عباس كياروستامي ثم آخرين منهم جعفر بناهي وأصغر فرهادي، تتلخص في تصوير اجتماعي متضمناً السياسي، وكما هو الحال في أي نظام قمعي، طوّر الفنانون أسلوباً لإتاحة أعمالهم، يصبح الأسلوب تياراً أو سمة عامة لسينما هذه البلد أو تلك. هذا تماماً ما جعل للسينما الإيرانية سمة أساسية هي الحساسية لا البلادة، والذكاء لا البلاهة، وفي أي من أفلام هذه السينما يمكن بالنباهة أو حتى الانتباه، رؤية ما بين الصور وسماع ما بين الكلمات: القمع الاجتماعي والسياسي للنظام الإيراني.

بخلاف هذه الرهافة، وبالتوافق مع الفجاجة، كان فيلم محمد رسولوف “بذرة التين المقدس”. لا يحتاج الفيلم إلى نباهة، فهو مصنوع ليكون دعائياً، والدعاية تخلو من حساسية الفن، وليكون كذلك فجاً أقرب إلى تقرير صحافي غربي عن قمع النظام لهبّة طالته -عن حق- في حق النساء بخلع حجابهن، وما يمكن أن يلي ذلك من حريات مدنية.

رافق الفيلم هياجٌ غربي، فرنسي وألماني تحديداً، في إمكان المخرج الهرب من إيران للالتحاق بفيلمه المشارك في مهرجان كان السينمائي هذا العام، هياج ما كانت لتخطئه تقييمات سياسية بلباس السينمائي والتباسه، أوروبياً، ومن بعدها جوائز من المهرجان المنتشي بهذه الدعاية المناهضة للنظام الإيراني، أبرزها “لجنة التحكيم الخاصة”.

الفيلم، The Seed of the Sacred Fig، لم يخطئ سوى بحق الرهافة في تراث واسع من السينما الإيرانية، فواجه الفيلمُ النظام لا بكونه عملاً فنياً بل ريبورتاجاً على قناة أوروبية مدمغاً بمشاهد تمثيلية. فللفيديوهات من الهبة الشعبية الإيرانية عام ٢٠٢٢، حصّة واسعة من زمن الفيلم المقارب لثلاث ساعات. لملم الفيلم ما حضر من مشاهد المظاهرات وقمعها، لتخرج بين مشهد وآخر كأي تلقين متقصّد لدرس يحتاج صاحبه التأكد من إيصاله وإن كان ذلك بالإلحاح والتكرار المملين، وإن كان مقحَماً على قصة لعائلة، تحوي عناصر أمكن لها أن تُخْلص للرهافة الإيرانية في السينما، لا أن تخَلِّص عليها.

بمعزل عن الفيديوهات التي تطرأ فيه كالإعلانات/الدعايات، يحكي الفيلم عن عائلة ببنتين، الأب يعمل في القضاء الإيراني وهو مسلّح، والأم في البيت، البنتان تلتفتان إلى الحراك الشعبي وتتعاطفان معه. يختفي مسدس الأب فيدور الفيلم حول محاولته إيجاده، يصل الأب في ذلك إلى إخضاع زوجته وابنتيه للتحقيق فالحبس في بيت قرويّ حتى تعترف إحداهن.

أمكن لقصة كهذه أن تكون جيدة، رجل العائلة أضاع شيئاً، ليكن مسدساً أو مسبحة أو خاتماً، وتتطور الدراما من التفاهة إلى التراجيديا، بتلاحق لأحداث وتصادفات تبقي القصة ضمن العمل الفني، كما يمكن أن يتوقع أحدنا معالجةً لكياروستامي للقصة. أفسد المخرجُ القصةَ بإفصاح يلائم حصّةً تعليمية تستلزم التلقين، لا عملاً فنياً يمرر، خفية، قصة فصيحة. فكان الأب متديناً وأبوياً، امرأته خانعة له وملحقة به. الفجوة الجيليّة والجندريّة وضعها المخرج أمام أعيننا بفجاجة ألصقتها على وجوهنا. ابنتان، ثم الأم، يتمردن عليه وعلى مسدسه والنظام الذي يمثله، إحداهن تحنّ إلى نظام نظام الشاه، الطاغية سيء السمعة. هي قصة للأطفال حيث يموت الشرير أخيراً، الشرير والغليظ والكريه من أوّل العمل وعلى طوله.

لا يلحظ أحدنا من فيلم رسولوف، أولاً، سوى إصرار على إشباع رغبات النفاق الأوروبي، والمصلحة السياسية والاقتصادية لغرب لا يبحث في إيران وغيرها، سوى عن “مواطنين صالحين” كرسولوف الذي يمارس عمله السينمائي في هذا الفيلم بوصفه “إيرانياً جيداً” فيستحق جائزة لمهرجان لا يخرج عن مركزيته الأوروبية البيضاء، مهرجان ينحاز في السياسة إن وافقته، ويحظرها متى تخالفت مع عقلية الأوروبي وحكوماته.

التعطش المهرجاناتي الأوروبي بكل انتقاد سينمائي للنظام الإيراني، يمكن أن يتيح مساحة ضرورية لأفلام ممتازة تستفيد من أسلوبٍ تأسّس وتطوّر ليكون ميزة عالمية لهذه السينما، ويمكن للتعطش أن يكون منفذاً لأفلام دعائية تُعامل المشاهد بغباء تَعامل التقارير الإخبارية الأقرب إلى تصريحات سياسية، معه، وهو حال فيلم رسولوف الأخير. إصرار الفيلم على تلقين درسه السياسي لا يختلف كثيراً عن أسلوب النظام نفسه في تصريحات مسؤوليه عن منع هذا المخرج من السفر أو ذاك من التصوير، أو عن أي رأي سينمائي يفيدنا به قيادي في الحرس الثوري.

فيلم «بذرة التين المقدس»… الفجاجة تبطل القصة

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.