هذا الفيلم مثال على تلاحمٍ قميء بين النفاق الأبيض الفرنسي ممتداً من حقبة الاستعمار، والدعاية الوردية الإسرائيلية من عقر الاستيطان والاستعمار وراهنهما، في فلسطين. هو بذلك، مثال آخر في أشد أشكاله وقاحة، لسياسة الغسيل الوردي الذي تبثه إسرائيل أنى استطاعت، ووسيطها هنا السينما.
فيلم “جميلة غزة” (La belle de Gaza)، الآتي من “العروض الخاصة” في مهرجان كان السينمائي الأخير، يسجل كوثائقي، بحثَ مخرجته الفرنسية يولاند زبرمان، عن متحولة جنسياً أتت إلى تل أبيب من قطاع غزة، مشياً على الأقدام، تقول، قبل أن تكذّب إحداهن ذلك. كأنه حجٌّ من القاع إلى القمة، من الهلاك إلى الخلاص، إلى ما أراد الفيلم استتباعاً لسياسة ممنهجة من الاحتلال، لتصويره، أي تل أبيب بوصفها جنة للمنفيين من مجتمعاتهم الفلسطينية لأسباب جنسية وجندرية، أو هوياتية فردية.
“الغسيل الوردي” مسألة واسعة، يتعداها الفيلم إلى التنميط فيه، فالاستعداء فالتماهي مع دعاية استعمارية على أكثر من جبهة، مفادها أن إسرائيل، وريثة الاستعمار الكلاسيكي الأوروبي بما فيه الفرنسي، هي ممثل لليبرالية الغربية على عدة أصعدة، منها الحريات الفردية، الجنسية والجندرية تحديداً. هو ما يظنه الجاهل صحيحاً ما لم يطّلع على تقارير حول أنواع شتى من العنصرية والاستغلال، مجتمعاً ومؤسسات ودولةً، مما تتعرض له المتحولات جنسياً من الفلسطينيات، الهاربات من نوع آخر من الاضطهاد في مجتمعاتهن، فهن أولاً وفقط فلسطينيات بالنسبة لمواطني الاستعمار ومؤسساته، ثم لا اكتراث بما دون ذلك من هويات فردية. هي إذن دعاية لا مضمون واقعاً لها، الغاية منها خارجية، كأي دعاية، بمعزل عن صحة المضمون، أو الموثوقية الداخلية. الفيلم خطابٌ آخر، أو مؤتمر، لهاغاري.
الفيلم، السطحي والرتيب في خطّه السردي بمعزل عن دعائيته (لحسن الحظ) حصرَ شخصياته بمتحولات جنسياً من الداخل الفلسطيني، من الناصرة والرملة وغيرهما، يمضين الليل في الشوارع بملابس تشي بعملهن في الدعارة، بفراغ في حكيهن وأشكالهن. لا قيمة أضفنَها للفيلم الذي وَجد باكراً المرأة المتحولة التي كان يبحث عنها، الجميلة من غزة، ببلادة تمثيلية تمامة، تمسك “الجميلة” التليفون لترى صورة الفتاة التي تبحث عنها المخرجة، وتضحك قائلة: هذه أنا.
هذه “الجميلة” متحجبة، فهي من غزة، تضع خماراً شفافاً على رأسها، ما بان أولاً “ستايل” بائعة هوى لا أكثر، قبل أن نعرف أنها، في الفيلم، فعلاً متحجبة. وَت ذَ فَك. ثم تظهر بعباءة وخمار أسودين، تتحرك بهما كأنّها، ولكونها من غزة، خارجة لتوها من كهوف تورا بورا، أو أي شيء إسلامي حاربه الغرب.
الفتى الذي تمرد على مجتمعه ذاهباً بذلك إلى أقصاه، بتحويل هويته الجنسية والجندرية، هو، أو هي الآن، توقّفت في تمرّدها، وهي في تل أبيب، أمام مسألة الحجاب والخمار، الفتى الذي صار امرأة تعاشر زبائن في شوارع تل أبيب، اختارت أن تكون متحجبة، في فيلم وصل حدّاً من الابتذال والكذب، والنفاق الفرنسي والدعاية، أو الهَسْبرة (أي الزعبرة) الصهيونية، لم يشهدها كاتب هذه الأسطر في غيره من موضوعه.
يبدأ الفيلم بملكة جمال الترانس في إسرائيل لعام ٢٠١٦، هي من الناصرة، تتكلّم بتفاهة فوّاحة، عن الحرية التي نالتها في تل أبيب، هناك حيث اكتشفت إمكانية أن تتحول. النموذج الأشنع في تحوّل فلسطيني من الناصرة إلى سلعة دعائية آخر صفقاتها هذا الفيلم، خدمة لمستعمرها. ويمتد في لقاءات في الشوارع الليلية، مع المتحولات المنتظرات زبائنهن، الهاربات من احتماليات القتل والرمي عن الأسطح، في مجتمعاتهن الفلسطينية، كما صرّحن، والمعرَّضات للمتطفلين حولهن والمتحرشين، فلسطينيون كذلك طبعاً، من أمام الكاميرا وخلفها. وصلن أخيراً إلى المدينة التي وإن قبلت بوجودهن بهوياتهن الفردية، الجنسية والجندرية، مهما تضمّن هذا القبول من عنصرية وتهميش، لم تقبلهن بهوياتهن الجماعية والوطنية والقومية والتاريخية والجغرافية، فالواحدة منهن تحاول تجنّب حتى الحديث بالعربية، وإن بعد تكرار كأنه ملقَّن، بإنقاذ تل أبيب لهن من مجتمعاتهن المتخلفة المتوحشة، مع إشارات ملحّة، بمناسبة وبدونها، تجاه الإسلام الرافض بعنف لهن.
لكن، ولإثارة وابتذال تامين، في الفيلم النموذجي لرهاب الإسلام، الدعائي بشكل ومضمون بائسين، كان لا بد من اثنتين من المتحولات، هذه المتحجبة وتلك العارية، أن ترتّلا، واحدة سورة الفلق والأخرى الفاتحة. ثم، لأن لا قاع للابتذال، لا بد لبائعة الهوى المتحولة جنسياً، قارئة القرآن المتحجبة، أن تُصوَّر أثناء الصلاة، في تل أبيب، في مشهد ختامي للفيلم المهزلة.
