1
اكتب تعليقُا

“ينعاد عليكو” لاسكندر قبطي… تلعثم وتعايش

على طول المسيرة السينمائية الروائية الفلسطينية، بالكاد يتعثّر أحدنا بفيلم تعايشي. يحضر في الذهن فيلم أو اثنان فقط وبحدٍّ أدنى. لكنه، التعايش، وبحد أعلى، ظاهرٌ هنا في فيلم “ينعاد عليكو” لاسكندر قبطي.

التعايش مفردة فلسطينية لا تحتاج إلى شرح، تعني جعل العلاقة ما بين المستعمِر والمستعمَر خارج سياق الاستعمار، أي طبيعيّة في إطار الإخضاع، بإظهار التآلف بين الطرفين. هي هنا تصوير حالةِ تعايش وتآلف بين فلسطينيي الـ ٤٨ والإسرائيليين، في كون الطرفان مواطنين لدولة واحدة، منزوعو السياق، التاريخ والراهن. تحديداً الراهن في عزّ الحرب الإبادية في القطاع والضفة.

نرى ذلك، التعايش، بين مشهد وآخر في السينما الفلسطينية، ويندر أن نشهد فيلماً كاملاً متأسّساً عليه. الفيلم، المشارك في تظاهرة “آفاق” لمهرجان فينيسيا السينمائي (٢٠٢٤)، مثال جيد في شرح معنى التعايش، كحالة مطبَّعة. الإشكال الجوهري في الفيلم هو أنه لم يستحضر الحالة ليفككها أو يواجهها، أو يسخر منها على الأقل، بل ليتبنّاها ويبني عليها قصص شخصياته وعلاقاتها، فيكون التعايش جوهراً متضمَّناً في يوميات الشخصيات، مسلَّماً به ومنطلَقاً منه، أي حالة “طبيعية”، مفرَّغة من السياق الاستعماري.

ينقل الفيلم قصصاً متفرقة لشخصياته، وهي قليلة وقريبة من بعضها البعض. عائلة فلسطينية (ندرك ذلك ضمناً فلا إشارة إلى فلسطينيتها) في حيفا. شاب منها يقيم علاقة مع إسرائيلية فتحمل جنيناً فيبحثان في محاولة الإجهاض بعد جدالات. علاقة تنشأ بين شقيقته وصديقه، الأولى متحررة والثاني وهو طبيب، يرفضها لذلك، أهلها يوبخونها بسبب علاقاتها وأسلوب حياتها. في وقت كانت العائلة الإسرائيلية داعمة لابنتها التي تحمل في بطنها ابناً لفلسطيني، الفتاة الفلسطينية تُهان من أمها بسبب كلام الناس وأثره. والإسرائيلية يُطبطَب عليها.

كل ما يدور في الفيلم يحوم حول هذه التقاطعات المتخلخلة، فتفاصيل هنا كانت فائضة وأخرى هناك بقيت مبتورة. وقد يكون عدم الاعتماد على سيناريو بأسطر تؤدَّى، بل على كلام الممثلين وهم غير محترفين، متلعثمين في معظم الحوارات، مفتعِلين عبارات تنزل فجأة على حوار لا معنى لها فيه، قد يكون ذلك الكسل الإخراجي ما جعل من المشاهد رخوة، إذ لا أداء ماكناً فيها ولا كلام ثابتاً. الفيلم، بحواراته وتقطيعاته ومفاصل قصته، عبارة عن تأتأة طويلة بالعربية والعبرية. وبنهاية لا تمهيد لها، مباغتة كأن الكلام طال فتوجّب قطعه كيفما يكن.

لا ضير في أن يؤدي الشخصياتَ ممثلون غير محترفين. ليس هنا مكمن الضعف، فلكثير من الأفلام، فلسطينية وغيرها، ممثلون غير محترفين أضافت عفويتهم مصداقيةً إلى المَشاهد. الخلل هنا كان في إدارة المُخرج الذي غلبته عفويةُ الممثلين وتلعثماتهم في كلامهم وملامحهم، تائهين عنه، تائهاً فيهم. فخرج الفيلم أخيراً بكلام وإيماءات فارغة، بفراغ في المَشاهد لا تملؤه سوى الثرثرة.

يشعر أحدنا بذلك على طول الفيلم الذي تلقيتُ نصف مَشاهده بالعربية ونصفها الآخر مترجماً عن العبرية، لتوزّع الفيلم بين اللغتين. قد تحمي الترجمةُ الفيلمَ من هذا التلعثم وتلك الركاكة، لدى مشاهدين آخرين، لكن الثرثرة لا تُسعَف بالترجمة. وهذا ما يجعل من “أحداث” الفيلم، كثير الكلام قليل المعنى، تمريراً للوقت ريثما ينتهي، وحسب.

نال “ينعاد عليكو” جائزة أفضل سيناريو في تظاهرة “آفاق”، ولا يبدو أن لذلك علاقة في ركاكته من عدمها، أو في أن الترجمة قد أسعفته، بل في مكان آخر، ثقيل الوطأة، يتعلق بالموضوع لا بحواراته وقصته.

لا يمكن إحالة السبب إلا إلى ما بدأتُ به المقالة، التعايشية في الفيلم شديد التهذيب سياسياً. وفق المنطق المهرجاناتي الأوروبي، نحن هنا أمام فيلم أقرب ليكون إسرائيلياً مكترثاً بأقلية عربية (لا أقول مجتمَعاً بل أقلية، ولا أقول فلسطينياً بل عربية)، وبعلاقات تتخطى القوميات، وحريات النساء في هذا المجتمع “الأقلّوي المتخلّف”. هو أقرب ليكون، إذن، فيلماً لـ “يساري” إسرائيلي يمحو، كأي فيلم بسردية إسرائيلية، الحضورَ الفلسطيني في الفيلم محيلاً إياه إن حضر، إلى أقلية قومية تستحق بعض الحقوق، استعطافاً. والفيلم فوق كل ذلك لمخرج فلسطيني (برافو!). وهذا تحديداً في عزّ زمن حربٍ بين “المتطرّفين من الطرفين”، وحديثي في هذه المقاربة وفق منطق المهرجان الأوروبي ومحكّميه. ليكون الفيلم استجداءً رخصياً لشهادة حسن سلوك منحَها المهرجانُ على شكل جائزة السيناريو.

لا يلفت المللُ ولا الركاكة في السيناريو النظرَ طالما أن موضوعه أكثر حساسية من هذه المعايير التقنية، وأشد إلحاحاً. في الفيلم عربُ إسرائيل ويهودها، في علاقات تتخطى ما يريده “المتطرفون”. إن كان للفيلم ما يريد قوله بكلمتين فهما “أحبّوا بعضكم”، عرباً ويهوداً أبناء الدولة وبناتها.

في الفيلم لا مكان لفلسطينيي الـ ٤٨، أو لأي إشارة لفظاً أو صورةً لفلسطين، بل لإسرائيل في أعلام وحياة مدينية، وفي أطفال يتعلمون باللعب أساطير دولتهم، وبلباس عسكري، وفي فتاة ترفض أن تحتمي مع الآخرين في اختبار صفارات الإنذار، قائلة: فلتأتِني القذيفة ولأمُت هنا. هو كأي فيلم إسرائيلي لا يرى سوى ذاته ومجتمعه. لا قذائف سوى تلك التي يمكن أن تسقط على الفتاة، من مكان مجهول وعصابات مجهولة، الوحوش على الطرف الآخر من الحدود.

الحديث عن الحرب والقذائف هنا هو من وجهة النظر الإسرائيلية وحسب، المدنيّة منها تحديداً، في محاولة احتماء الفتيات والأطفال، في بلد يتعلّم أبناءُ أقليّته العربية في جامعاته ويعمل في مشافيه ويرقص في باراته، كما يُظهر الفيلمُ بإلحاح، من دون نواقص كغيرهم وإلى جانب غيرهم، كمواطنين مهذبين، محسني التعايش. وذلك لا يَظهر لنقضه أو تفكيكه، بل لتطبيعه.

لا مكان لفلسطين هنا. وفلسطينيو الـ ٤٨ صاروا عرب إسرائيل. القصة والشخصيات أرادها الفيلم إسرائيلية تامة، والتعايش بينها، ضمن عائلة يهودية منفتحة وأخرى عربية منغلقة، هو جوهر الفيلم. ولحسن حظ السينما الفلسطينية وحسب، أن هذا الجوهر وصل ركيكاً صوتاً وصورة. أيُّ بؤس وخزي كان للسينما الفلسطينية، ولعموم السردية الفلسطينية ثقافياً، لو أن فيلماً كهذا لم يكن بهذه الرداءة.

فيلم «ينعاد عليكو» لإسكندر قبطي: تلعثم وتعايش

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.