حضور الناقد إلى المهرجان، كان وبرلين وفينيسيا مثلاً، يكون عموماً فعلاً فردياً لا جماعياً مؤسساتياً. سعيُ الناقد إلى المهرجان وإمكانية حضوره مسألةٌ مهنية مطروحة دوماً لديه، وصَله بدعم مؤسّساتي أم بنفسه. والاعتبار الأول لذلك هو، بكل الأحوال، تكلفة السفر والإقامة.
لا يحضر، لذلك، إلا القليل من الصحافيين العرب (نقّاد وغيرهم)، فجزء أساسي من التكاليف، إن لم تكن كاملةً، تقع عليه ولا تشاركه بها المؤسسة. ذلك ما يجعل الناقد حريصاً، جداً، على اختيارات مشاهداته، وبالتالي حصرها في المسابقة الرسمية قدر المستطاع، فلا تنال، أخيراً، أفلام التظاهرات الموازية ما يمكن أن تستحقه من تغطية أو تناول في هذه الصحيفة العربية أو تلك.
ليس هذا حال الصحافة الأجنبية، فهي إن كانت متخصصة بالسينما والفنون تكون بفريق متعدد المهام، يتوزع أفراده على التظاهرات لتقدِّم الصحيفة في النهاية تغطيةً تشمل المسابقات الرسمية والموازية للمهرجان. وبعض هذه الصحافة تقدم أعداداً يومية خاصة بالمهرجان، منها “فارَيتي” و”سكرين دايلي” وهوليوود ريبورتر”، وفي مهرجان كان السينمائي تحضر الصحافة الفرنسية إما بعدد خاص للدورة كاملة من المهرجان كما تفعل “تيليراما”، أو بتخصيص المجلة الأسبوعية لهذه الصحيفة أو تلك، للمهرجان، كما تفعل “لوموند”، أو بنشرات يومية كما تفعل “ليزانروك”، أو بعدد يومي صغير كما تفعل “لو فيلم فرانسيه”.
هذه صحافة إما متخصصة أو وطنية، أما الصحافة الأجنبية فلها تغطياتها الخاصة ضمن الصفحات الفنية، وهذه التغطية تكبر وتصغر بحسب همّة الفريق الموفَد. في الحالة العربية، لا فريق ولا إيفاد.
في المهرجان الفرنسي العام الماضي، تحدثتُ مع ناقدة آتية من أستراليا، وعرفت منها أنها لا تحتاج للاستيقاظ كل صباح لحجز التذاكر، في السابعة تماماً، قبل أن تنفد، لأن زملاء في صحيفتها في القارة البعيدة، وفي الظهيرة عندهم، وعلى أكثر من جهاز كمبيوتر، مستنفرون فاتحون حسابها لحجز التذاكر. فتضمن الصحيفة لها أفلامها لتنتقي هي منها المناسب. بذلك لا تعيش أكبر همّين لدى الناقد هناك، أولهما الاستيقاظ باكراً بعد ليلة طويلة إما بالمشاهدة أو بالكتابة، وثانيهما الإخفاق في حجز تذكرة لفيلم بعينه.
الناقد في المؤسسة الصحافية الأجنبية، التي توفده غالباً إلى المهرجان، محدّدٌ عمله بالمشاهدة والكتابة. والحديث هنا عن النقاد لا الصحافيين الساعين إلى أنواع أخرى من المواد كالتقارير والأخبار والمقابلات. تفاوت الاكتراث المؤسساتي بين الغرب والعرب في التخصص الثقافي (السينمائي في موضوع المقالة) صحافياً، يحول دون تقديم ولو القليل أو المنتظَر من أفلام التظاهرات الموازية إلى المتصفِّح العربي المهتم بالسينما والمتابع لجديدها، القارئ الجيد والمشاهد الأمين لها.
يصدف أن تشهد المظاهرات الموازية أفلاماً أفضل من تلك التي في المسابقة الرسمية، لكن أحدنا يكتشف ذلك من بعد العروض، بالصدفة، خاصة أن هذه الأفلام تكون إما الأولى أو الثانية لأصحابها، أو غير متوقَّع أن تنال ما نالته من تقييم عالٍ، فالأفلام تكون مفاجآت في المهرجان لأنّ عرضها الأول يكون فيه، أحياناً تشهد أفلام عروضاً محلية وخاصة محدودة. وكذلك لأن ما يُتاح من الفيلم قبل عرضه المهرجاناتي يكون أخباراً قليلة والشريط الترويج أحياناً أو مَشاهد منه. المثال الأبرز خلال السنوات الأخيرة كان فيلم “بعد الشمس” الذي شارك في تظاهرة “أسبوع النقد” في مهرجان كان السينمائي عام ٢٠٢٢، ليكون اكتشافاً سينمائياً جعل صحافة مثل “سايت آند ساوند” و”الغارديان” و”إندي واير” تصنفه الفيلم الأفضل للعام على الإطلاق. وهو الفيلم الأول لمخرجته الاسكتلندية شارلوت ويلز. وهذه تقييمات نقدية متخصصة لا جماهيرية مبعثرة ولا هي للجان تحكيم متفاوتة الاختصاصات، أي أنها الأقدر على التذوّق والتقييم. هي قدّمت الفيلم على غيره، على أكثر من ستين فيلماً مثلاً حضرت في المسابقات الرسمية للمهرجانات الكبرى الثلاثة، كان وفينيسيا وبرلين. والفيلم، أساساً، كان في تظاهرة كانيّة تسبقها في الأهمية تظاهرات أخرى، غير المسابقة الرسمية.
مثال آخر وقديم لكنه كذلك نال اعتباراً نقدياً حديثاً هو الأعلى في الصحافة السينمائية. هو “جان ديلمان” للبلجيكية شانتال أكرمان. الفيلم شارك في تظاهرة موازية وغير رسمية كذلك في مهرجان كان السينمائي، عام ١٩٧٥، هي “أسبوعا المخرجين”. الفيلم تمّ اختياره على رأس اللائحة الأبرز لأفضل ١٠٠ فيلم في التاريخ، لمجلة “سايت آند ساوند” العام ٢٠٢٢، ضمن استفتائها الذي تعقده كل عشر سنوات.
كلا الفيلمين كان على هامش المهرجان خلال عرضه الأول، لينال الأول تقديراً عالياً بدءاً من عامه، والثاني ينال التقدير الأعلى في التاريخ السينمائي بعد أعوام طويلة. مثالان سريعان واحدهما جديد والآخر قديم، تجاورهما أفلام أخرى عرف بها أحدنا أم لم يعرف، نالت ما تستحقه من التقدير أم لم تنله. لكنها، بكل الأحوال، ولكونها ابنة التظاهرات الموازية، لم تجد مع عرضها الأول، استحقاقاً نقدياً عربياً يأتي عادة متأخراً.
في المهرجانات الكبرى الثلاثة، ٦٠ فيلماً هي قبل غيرها مقصَد الناقد السينمائي المتوجه للمهرجانات محاولاً، مخفقاً عموماً، مشاهدتها كلها، والكتابة بما يسعفه الوقت والجهد عن مختارات منها. وإن شاهد فيلماً في تظاهرة موازية يكون غالباً لمشاركة عربية فيه، أو لضجّة أثيرت حوله، وهذه ليست لغاية سينمائية بقدر ما هي لمهمّة صحافية.
حتى لعروض المسابقة الرسمية، وهي أكثر من ٢٠ فيلماً، في ١٠ أيام من المهرجان. بافتراض أن الناقد وجد مسكناً على سطح قصر المهرجان مع إمكانية اقتحام الصالة بالحبل من خلال “البلكون”، وبافتراض أن ساعتي نوم كل ليلة تكفيانه، فهل سينهي المهرجان بمشاهدة كل أفلام مسابقته الرسمية؟ لا. وماذا عن التظاهرات الموازية؟ لا. والأفلام العربية؟ لا. يقابل ذلك، إذن، راحة بال وهناءة نوم؟ لا.
