1
اكتب تعليقُا

لا تكون مشاهدة فيلم في المهرجان إلا بتنحية غيره

تماماً كما يجلس أحدنا أمام الشاشة محاولاً انتقاء فيلم لمشاهدته، يتسمّر أحدنا أمام صفحة حجز أفلام من المهرجان. وكلما كثرت الأفلام كبرت الصعوبة في الانتقاء، على مبدأ إن أردت تحيير أحدهم خيّره، وكلما زادت الخيارات زادت معها الحيرة. ونجد دائماً من يمضي وقتاً في الاختيار قد يزيد، إجمالاً، عن وقت المشاهدة.

الحالة ذاتها تتكرر في المهرجانات السينمائية، لكن بتعقيدات خاصة. والحديث عن الناقد المعلِّق بطاقة الاعتماد الصحافي (البادْج) على رقبته، هويته الوحيدة في الأيام العشرة من المهرجان، داخلاً بها أفلاماً وخارجاً من أخرى، متسائلاً غالباً، إن كان لساعتيه الأخيرتين من فائدة ومتعة فائقين لو اختار فيلماً آخر، في برنامج تتداخل فيه الأفلام، بمواعيد عروضها وقاعاتها.

هل يحتاج هذا الناقد مشاهدة كل أفلام المهرجان؟ لا يهم سؤال كهذا مع إجابة لغيره يكون “هل يستطيع فعلها؟” تكون، الإجابة، نافية. لا مجال إذن لمشاهدة كل أفلام المسابقة الرسمية للمهرجان، ناهيك عن أفلام المسابقات والتظاهرات الموازية. يخجل أحدنا حين يُسأل، خلال المهرجان ومن بعده، إن شاهد فيلماً ما وكان خارج المسابقة، ليردّ إنّه بالكاد يجد وقتاً لأفلام المسابقة، وإنه يفشل أصلاً في مشاهدتها كلّها، ثم يستدرك، هذا الناقد الحسّاس، بأن المهنة تستلزم ذلك، وإلّا لقام بالواجب، وأن باقي الأفلام سيحاول مشاهدتها لاحقاً في صالات السينما. وجميعنا يعرف أن نخبة محدودة جداً من التظاهرات الموازية، تلك التي تنال جوائز مثلاً، تجد موزعين وصالات عرض لها في أوروبا مثلاً، والحال في هذه القارة أفضل من غيره، وفي فرنسا عموماً أفضل من غيرها، أما الحال في بلداننا العربية، فله شؤون وشجون.

أكثر من ٢٠ فيلماً تضمّها المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي مثلاً، سنوياً، وهو أهم المهرجانات السينمائية الثلاث الكبرى، مع برلين وفينيسيا، وبالتالي الأهم عالمياً. لنفترض أن ناقداً حضر المهرجان بأيامه العشرة، أو أكثر، فإن أمامه موعد وصول القطار إلى كان، أو الطائرة إلى نيس ثم الباص إلى كان، ثم إيداع الحقيبة أو التوجه مباشرة إلى مكان الإقامة، ثم الإسراع إلى استلام بطاقة الاعتماد، وبها فقط يدخل مساحات المهرجان وصالاته. هذا كله سيتسبب غالباً في تخطّي فيلم ما، مع محاولة استدراكه في مشاهدات أخرى لعروض تكون ما بعد العرض الصحافي الذي فاته. سيتخربط برنامجه ويخسر صاحبنا في النهاية فيلماً أو أكثر مما قام مسبقاً ببرمجته.

لنفترض أنه تدبّر أمره، وصل باكراً جداً ولحق أول فيلم مبرمج للمشاهدة. المسافة اللازمة بين قاعتي “بازان” و”ديبوسي” مثلاً، وكلاهما مخصص للعروض الصحافية، لا تسمح، المسافة، باختيار فيلمين متلاصقين، بالكاد تفصل بينهما عشر دقائق، وهذه الحالة تتكرر على طول الأيام العشرة. هذا ولم أعط اعتباراً بعد لضرورات فيزيائية وبيولوجية وسيكولوجية، من المشي إلى الأكل إلى التنفس وغيرها. ثم، أين وماذا يكون الطعام؟ ماذا عن القهوة التي نسيها أحدنا من بعد فيلم أو اثنين حتى ما بعد الظهر؟ وهل من أصدقاء أو زملاء أو معارف أو أحداث أو لقاءات أو حفلات أو اجتماعات يحتاج أو يضطر لها؟ ستكون حتماً على حساب فيلم أو اثنين.

كاتب هذه الأسطر اضطر إلى إزالة ٤ أفلام من برنامجه الموضوع بحرص ودقة، الحالة الأولى للمشاركة في مؤتمر عن النكبة والإنتاجات المعرفية عبر زوم، مقدماً ورقة عن النكبة والسينما الفلسطينية. الحالة الثانية لحضور حدث تضامني مع فلسطين في الجناح الجزائري. الحالة الثالثة لحضور خيمة لمشروع أفلام قصيرة جداً من غزة تبعت لقاء تلفزيونياً لنصف ساعة للحديث عن دورة هذا العام من المهرجان. الحالة الأخيرة كانت لمشاهدة فيلم فلسطيني في تظاهرة “أسبوعا السينمائيين”.

٤ مناسبات إذن حالت دون حضور ٤ أفلام في المسابقة الرسمية. كان هذا خياراً ولا ندم عليه طبعاً، لكنه للقول إن لكل ناقد قدمَ للعمل، وهذا يعني أولاً وعاشراً مشاهدة أفلام والكتابة عنها، وهذا ممكن نظرياً لكن عملياً سيختلف الأمر قليلاً، لكل ناقد إذن قرارات فورية تُتّخذ للقاء هنا أو أمسية هناك، تكون غالباً على حساب فيلم قد يشاهده أحدنا لاحقاً، عند نزوله إلى الصالات إن نزل، لكن وقتها سيكون الضارب من النقّاد قد ضرب والهارب قد هرب.

بكل الأحوال، ما كان البرنامج، وأمكنة العروض وأزمنتها، ليسمح بمشاهدة تامة للمسابقة الرسمية، وإن خلت جولات الناقد وصولاته من أي حالات طارئة تتلقفه وهو الراكض من صالة والواصل إلى أخرى بالتدافع، بالكاد يلحق تعبئة قنينة الماء أو طلب فنجان القهوة.

في النهاية، لا مجال عملياً لإتمام فرض المشاهدة (فرض عين للناقد، لا كفاية) لأفلام المسابقة الرسمية كلها. يمكن في حالة واحدة تلي المهرجان، حيث يقدّم مهرجان كان السينمائي في اليوم التالي من ختامه، عروضاً لكافة أفلام مسابقته الرسمية، لإدراك منه ربما باستحالة إتمامها خلاله. الناقد الباقي في المهرجان ليوم إضافي سيكسب هذا التكرّم المهرجاناتي. وناقد غيره أَخفَق أو أُخفِق في تنظيم برنامجه، سيجد حلاً آخر إن كانت إقامته في فرنسا، مفتّشاً عن أفلام المهرجان التي تخرج بالتزامن مع إلى الصالات في البلاد فيستثنيها من برنامجه الكانيّ، ليبدأ من اليوم التالي لعودته إلى دياره، بمشاهدتها في الصالات.

في النهاية مرة أخرى، سيعود الناقد من المهرجان إلى بيته بخيبة أنّ فيلماً ما قد فاته، وقد يكون الفيلمَ المُسعَّف ذهبياً أو المكرَّم بجائزة رسمية أو غير رسمية، لتكون بذلك تجربة المهرجان ناقصة. هي الحيرة ذاتها، والخيبة ذاتها، في اختيارات تكون دائماً على حساب أخرى، لأفلام كان يمكن للساعتين الماضيتين أن تكونا أفضل بغيرها، في البيت أم في المهرجان.

بعضٌ من الأفلام المنتقاة للمشاهدة في المهرجان، يكون ضربة حظ، وغيرها يكون مأسوفاً عليه. ففيلم السعفة الذهبية لهذا العام، “أنورا”، وكان عرضه نهايات المهرجان، أتى بعد أفلام عظيمة ورائعة ولمخرجين استثنائيين (أوديار، لانثيموس، كوبولا، غوميز، سورنتينو)، وما كان الفيلم قبل عرضه ينال اهتماماً نالته معظم الأفلام التي سبقته. كذلك فيلم السعفة الذهبية للعام الماضي، “تشريح سقوط”، ما كان قبل عرضه أن يجد اكتراثاً مسبقاً بحضور أسماء استثنائية (كاريزماكي، فيندرز، كوريدا، موريتي، لوتش). أي فيلم سنختار للمشاهدة إذن؟

مهما كان الفيلم الذي اختاره أحدنا للمشاهدة ممتازاً، مضطراً لتخطي غيره بذلك، سيكون لهذا المُتخَطّى، مساحة للتحسّر في الذهن. فاختيار أي فيلم يعني، كذلك، تنحية آخر.

المشاهدات في المهرجانات السينمائية: بين التخطيط والحظ

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.