مشاهَدة عن مشاهَدة تختلف.٣ مشاهدات للأفلام يمكن تصنيفها هنا: في البيت، في الصالة، في المهرجان. وهذه الأخيرة هي التي استدعت هذه المقالة، لما فيها من تغييرات عن العادي والمألوف. المشاهدة البيتية هي مشاهدة الاضطرار والضرورة. تكون للعودة إلى أفلام جرّب أحدنا متعتها وأحب أن يجدّد التجربة، ولن تكون عموماً بمتعة المرة الأولى، الاكتشافية.
هي مشاهدة عبر التلفزيون أو أي شاشة سحابية. مهما كبرت هذه الشاشة لن توازي شاشة السينما في صالة بسقف لن يجادل أحدنا في مدى تفاوته عن أسقف بيوتنا. هي مشاهدة لأفلام أعوامٍ سابقة قريبة لم تنل فرصة للمشاهدة وقتها، وهي مشاهدات أفلام صارت كلاسيكية أو من عيون التاريخ السينمائي الإنساني، وتحسن مشاهدتها وإن للمرة العاشرة. هي مشاهدة الاستدراك. وهذا الذي فات ولم يشاهده أحدنا، ويحاول اللحاق به، لا قاع له.
يتخلل المشاهدة البيتية خللٌ لا بد منه، الإمكانية التامة لإيقاف الفيلم لدقائق، والقدرة التامة على إيقافه ليوم أو أكثر والعودة إليه لاحقاً لإكماله -ما لم ينسَه- كمن يترك معذَّباً محبوساً في زنزانة ليعود يتفقّده وقد التهى بغيره. هو امتياز في ظاهره لكنه إخفاق في المشاهدة. هو نوع من خيانة الأمانة، ما تحول دونه صالة السينما.
في السينما نحن بين آخرين، فلا يوقف أحدنا الفيلم ليذهب يعدّ كأساً من الشاي. واحدنا يلزم هدوءه في الصالة العامة، وإن جرى مرة في صالة السينماتيك الفرسية بباريس، أن بدأ رجلٌ في منصف الصالة بالصراخ، واقفاً وملتفتاً إلى الخلف، محتجّاً بأن الصوت عالٍ، أو امرأة في إحدى عروض مهرجان سان سيباستيان العام الماضي، غابت عن الوعي فصرخ مستنجِداً البعض وأُوقف الفيلم الذي سينال جائزة الصَّدفة الذهبية. أتى أحدهم وأخرجت المرأة وصفّق الناس وأعيد الفيلم.
هذه استثناءات صادفتُها، وهي نادرة، وبالنسبة للكثيرين أكون من بينهم هي أقل إزعاجاً أو إخراجاً من أجواء الفيلم، من ملتهِم مقرقِش للبوشار في مقعد مجاور، تحديداً مع صعوبة التحرك وتغيير الصف كاملاً، أو أن يأتي أحدهم، يكون برقبة طويلة أو شعر منكوش، تاركاً كل المقاعد ليختار هذا الذي أمامك، نكاية بك وبهوسك بالمقعد المثالي في الصالة. هي منغّصات لا توجد في البيت، ولا في المهرجانات التي تبقى المشاهدة فيها، وبالعروض الخاصة بالصحافة تحديداً، أفضل التجارب.
في المهرجانات السينمائية ٣ أنواع من المشاهدة: أولها العروض الأولى الاحتفالية بسجادة حمراء وبدلة توكسيدو وفريق الفيلم. هذا احتفال لا لمشاهدة فيلم، هي مجاملة وتصفيق مبالَغ فيه تُحصى دقائقه وتصير خبراً صحافياً كأن الدقائق نجوم يضعها نقّاد للفيلم. يحتاج أحدنا إعادة مشاهدة الفيلم من بعده، بهدوء، ولو في البيت. هذا ما جرّبته العام الماضي بفيلم “أيام مثالية” للألماني فيم فيندرز، فلم أفوّت، من بعد العودة إلى باريس، أول فرصة لمشاهدته كما يجب (وكانت في البيت).
ثاني المشاهدات هي العروض الجماهيرية اللاحقة لتلك الأولى، إذ يتيح المهرجان لسكان المدينة وزائريه من أصحاب الاعتمادات (مع البادْج) فرصة لمشاهدة الفيلم، ويكون ذلك في صالات في المدينة مجاورة لموقع المهرجان كما في كان وفينيسيا، أو الممتدة على طول المدينة وبعيدة كما في برلين. هذه التجارب لا تختلف عن تلك التي في صالة السينما كما وصفتها أعلاه، مع فارق أنها تكون مزدحمة وبالتالي تخضع للمزيد من التلوث الهوائي في الصالة، والتشوش الخارجي عن التأثيرات الصوتية للفيلم. كما يأتي الازدحام دائماً مع احتمال أكبر للإخفاق في اختيار المقعد المثالي، هو تقاطع انتصاف خطوط العرض وخطوط الطول.
المشاهدة الأضمن للنقاد السينمائيين في المهرجانات هي لعروض الصحافة، تكون في صالة “ديبوسي” في مهرجان كان السينمائي، وهي صالة كبيرة ضمن قصر المهرجانات، وأصغر بقليل من صالة “لوميير الكبرى” للعروض الأولى، وتكون مرات في صالة “بازان” في القصر، وهي أصغر، وليست الأفلام المحصورة فيها أقل شأناً. وهذه المشاهدة في مهرجان برلين السينمائي تكون في الصالة الكبرى لقصر المهرجانات صباحاً، وفي صالة سينِماكس المجاورة مساء. وفي مهرجانات أخرى لا عروض خاصة بالصحافة، فيكتفي النقاد بالبحث عن مقاعدهم في العروض العامة، بين من هبّ إلى الصالة ودبّ.
مع الصحافيين لا تشوّش ولا تلوّث. في الحالة القصوى يتناول أحدهم شوكولا أو حبّة بوبون. بدأتُ أفعلها من بعد تجربة، وفي مهرجان كان الأخير كنت أرجع كتاباً إلى حقيبتي وأخرج حبة بونبون، وقد نادت المنادية بضرورة اتخاذ الأمكنة لبدء العرض، فعرض عليّ مجاوري حبة من البونبون نفسه، أجبته بأني أبحث في الحقيبة عن علبتي، أخرجتها وعرضتُ عليه مذاقاً آخر لما لديه. يبدو أنه عرفٌ غير معلَن، لكنه إقرار جماعي كما يبدو، بتناول اللازم تناوله من السكّر قبل بدء العروض احتراماً لهذه التجربة، وأذكّر بأننا هنا أمام لحظة يمكن لفيلم عظيم أن يرى النور فيها أمامنا كأننا شهود عليه، فلا نتلقفه بنصف إغفاءة.
الصحافيون يضحكون معاً في مشهد يتركه الجمهور ليضحك على آخر، النقّاد في المهرجانات يحترمون التجربة والفيلم والصالة وباقي المشاهدين بدءاً من المجاورين (للدقة، عموماً وليس خصوصاً) والمضيفات العاملات في الصالة وعمّال النظافة فيها (نسبياً وليس حصرياً). قد ينهمك أحدهم في كتابة ملاحظات على طول الفيلم، وهذا يربك المشاهَدة. أمضيت فيلماً في مهرجان كان الأخير مائلاً للأمام في مقعدي، كي لا أشارك مجاورتي لحظاتها العظمى في تدوين الملاحظات. سلوكها هذا لصحافي يغطي مهرجاناً وليس لناقد يستكشف فيلماً. وقد يصرخ أحدهم “بوووو” نهاية فيلم أعجبك أو يصفّق آخر نهاية فيلم لم يعجبك.
يبقى هذا كله مقبولاً ومحتملاً مقابل فرقعات البوشار في أفواه المجاورين في صالات السينما الباريسية، كأنّ حبّات الذرة تُقلى في فمه متقافزة كالفتّيش.
