1
اكتب تعليقُا

“إلى أرض مجهولة” لمهدي فليفل… ليمبو أثينا

كأنّ شيئاً لم يتغير في حال اللاجئين الفلسطينيين، في نصف قرن. رأينا في “المخدوعون” (١٩٧٢) لتوفيق صالح، المأخوذ عن رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، ثلاثة فلسطينيين يمضون الفيلم في محاولة الوصول إلى الخلاص، بالخروج من المخيم قاصدين الكويت، عالقين في منتصف الطريق. بعد أكثر من خمسين عاماً، عادت القصة في أساسها، بفيلم مهدي فليفل، المشارك أخيراً في تظاهرة “أسبوعا السينمائيِّين” في مهرجان كان السينمائي الشهر الماضي، لتصوّر هذه المرة شابَّين كانا، كما في “المخدوعون”، في منتصف رحلة الخروج/اللجوء، من مخيمات لبنان إلى ألمانيا.

كأنّ الخروج من المخيم فولكلور فلسطيني، وإن غاب بتهميش المخيمات وأهلها، وتحديداً تلك خارج الوطن، في عموم السينما الفلسطينية. ليكون الجانب الأبرز في الفيلم، “إلى أرض مجهولة”، هو تناوله في موضوع وشخصيات رئيسية، المخيمات خارج البلاد، وهموم أهلها، في سوريا ولبنان تحديداً، وقد حادت السينما الفلسطينية عنهم كما حادت، بنسبة أخف، عن قطاع غزة.

بذلك، وبمعزل عن مقاربته الدرامية، سيكون الفيلم حالة فريدة تستحق الالتفات لها أولاً، والانفتاح عليها ثانياً، كمحاولة توسيع لأفق السينما الفلسطينية المنغلقة على رام الله وحيفا وما بينهما. بهذا الفيلم توسّعت التجربة السينمائية الفلسطينية لتكون أقرب إلى الهوية الوطنية الفلسطينية، باستيعاب شقّها المنفي في المخيمات، ومن المخيمات إلى الشتات، بل وبحضور ثانوي لغزة فيها.

قبل فيلمه هذا، تمرّن فليفل بأفلام قصيرة سابقة. تطابق الفيلم بموضوعه معها، ما وفّر له أخيراً نضجاً تدرَّج من خلال أعمال أخرى، وموثوقيةً أظهرتها الحوارات، وكان التصوير داعماً واضحاً لها. لكن تعلُّق الفيلم الروائي الطويل الأول لمُخرجه، بتلك القصيرة، أنقص من الفيلم كما أضاف له. أضاف مصداقية ومعرفة في الموضوع، وأنقص في الابتكار والتجديد، إذ لم يبنِ الفيلمُ جديداً عليها. بعض المَشاهد منه كانت إعادة تصوير لتلك القصيرة. فأتى الفيلم بمَشاهد متكرّرة، بقصٍّ ولصقٍ وملءِ فراغات في الفيلم كشف عنها تقدُّم قصّته البطيء والضائع نوعاً ما.

يحكي الفيلم عن شقيقين، شاتيلا ورضا، وصَلا من مخيمات لبنان إلى أثينا، يسعيان إلى إكمال رحلة اللجوء إلى ألمانيا. يتتبّع الفيلمُ محاولاتهما تدبير المال اللازم من أجل جوازات سفر مزورة. يلتقيان بطفل من غزة، لوحده هناك، يحاول الوصول إلى إيطاليا. يتعرّف شاتيلا إلى امرأة يونانية، فيحاول تدبير خروج الطفل معها بالسفر جواً، على أنها والدته. ليكمل من بعدها مع ابن عمه محاولة تدبير المال، وإن كان ذلك بخطف سوريين وضربهم، والنصب عليهم. ينتهي الفيلم بمشهد شاعري، هو أجمل ما فيه، فبين مشهد استهلالي وضع المُشاهد فوراً أمام قصة افتُرض لها أن تكون متسارعة، وبين ختامي أُحسن صنعه، امتدّ الفيلم، بل تمطّى، في محاولات الشابين للخروج من مأزقهما.

تتكوّن الحبكة بعلاقة مباشرة مع المرأة التي تظهر باكراً في الفيلم، لتكون جزءاً أساسياً من الحاصل أمامنا، إلى أن تختفي فجأة، تنقطع أخبارها ثم لا نعرف شيئاً عنها، كأنّ فيلماً آخر اتخذَ مكانه من بعدها. هو خلل درامي جوهري اختفاءُ شخصية كانت أساسية، من دون تبرير أو استكمال لما بعد الاختفاء، ومن دون العودة إليه أو البناء عليه، كأن حضور اليونانية في القصة كان خطأً تمَّ استدراكه لاحقاً من دون تصحيح السابق أو توضيحه، أو أن رغبةً ملحة كانت في التخلص منها فانقطعت أخبارها من دون تبرير يترك للقصة مجالاً للتقدّم متحرراً منها، أو اضطراراً إنتاجياً أُدخل على السيناريو.

الفيلم في عمومه يدور حول شخصيتين تدوران بدورهما حول بعضهما في استطالة لا انعطافات بارزة فيها، وطبيعة الفيلم كما تظهر مع نصفه الثاني، التشويق مع خطف ثلاثة سوريين وحبسهم في شقة المرأة، مهما كان هذا التشويق بحدوده الدنيا، تستلزم، طبيعةُ الفيلم، لا إطالة في تكرار المحاولات، لتدبير المال، بل ضرورة ملء زمن الفيلم بالأحداث القصيرة التفصيلية المتراكمة والمتصاعدة في خدمة قمة سيصلها التشويق، ما يعطي للفيلم، ومصداقيته الاجتماعية، بعداً تشويقياً متآلفاً مع ذلك الاجتماعي ونابعاً منها. هذه الأحداث تكون في سرقة الحذاء لبيعه، وتكون في الممارسات السرّية في الحديقة.

الحدثان التفصيليان ضروريان في الفيلم، وإن نُسخا من أفلام قصيرة سابقة لفليفل، وجودهما في الفيلم كان ضرورياً كعناصر تراكُم، لكنها احتاجت لغيرها كي لا يكون الفيلم خاوياً، وكي لا يحوم حول التنقلات السريعة لشاتيلا تدبيراً للمال، كأنّ الفيلم به وبتنقلاته هذه، يبحث عن أحداث أو انتقالات درامية تحول دون التمطّي والإطالة.

يبقى “إلى أرض مجهولة”، رغم تفرّعاته المبتورة، أفضل من معظم ما أخرجته السينما الفلسطينية في السنوات الأخيرة. فبمعزل عن القصة التي تغلِّف الشخصيتين، كان شاتيلا وابن عمه حقيقيّين، تصويراً وكلاماً، تمكّن فليفل من تلك العوالم، من أساسها في مخيم عين الحلوة إلى خلاصها المأمول في أوروبا، مروراً بحالة الليمبو في أثينا، الجحيم الأقرب لدهليز لا يفعل محبوسوه سوى البحث عن مخارج منه، مفقودة فيه.

مصداقية الفيلم أولاً، وموضوعه الذي سيساهم في سدّ نقص فادح في هذه السينما ثانياً، سيجعلانه متميزاً في مسيرة هذه السينما التي تناسخت فيها المواضيع وتطابقت الشخصيات. كأنّه قدّم متنفَّساً إلى هذه السينما المختنقة في فقّاعتها.

فيلم «إلى أرض مجهولة» لمهدي فليفل… ليمبو أثينا

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.