1
اكتب تعليقُا

كي تتخطى الفنونُ الصدمةَ إلى الثورة

يخطر لأحدنا سؤالُ إن كان الفلسطينيون سيمرّون اليوم في حالةٍ مماثلة لما بعد الصدمة التي مرّوا بها لعقد وأكثر، ما بعد النكبة، قبل أن يستعيدوا عافيتهم في الستينيات، أدبياً وفنياً ووطنياً، ليصنعوا ثورتهم التي ستطوي حالة التروما تلك، وتصنع فنونها التي كانت ثورية آنذاك، ملازمة للعمل الفدائي.

السياقات التاريخية مختلفة اليوم، مع حرب الإبادة التي لا يزال قطاع غزة يعيشها، مع ارتدادات لهذه الحرب في الضفة الغربية، وذلك بعجز عن استشراف ما ستحمله الأشهر والأعوام التالية، تحديداً لأن لا وحدة وطنية يمكن لأحدنا تلمّس معالمها، ولا كيان ثورياً، كما كان في الستينيات، يمكن، بحسب السياقات التاريخية والجغرافية كذلك، أن يترقّبه أحدنا من الآن وهنا. لكن، تبقى للفنون بتمثيلاتها، إمكانية الاستجابة التلقائية والأصدق في التفاعل مع الحدث التراجيدي، من دون أي اعتبارات لسياق تاريخي دون غيره. الآداب والسينما وباقي أشكال الفنون تتكيّف مع كل مرحلة، تنعكس عن الواقع بتحوّلاته، وكلّما كان الواقع كارثياً، أو مفصلياً في التاريخ، كان التكيف أكثر جذرية أو، على الأقل، تحوّلاً وظهوراً.

شهد التاريخ ذلك في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا، بكوارثها على كافة الأصعدة، وما حملته في تيارات تقصّدت تكسير السائد ما قبل الحرب، التمرد عليه، بتكيّف مع واقع جديد تدمّرت فيه المجتمعات وعمرانها. خرجت في الخمسينيات “الواقعية الجديدة” في السينما الإيطالية و”الرواية الجديدة” في الأدب الفرنسي. كان لكل من التيارين في مجاله شكلٌ يعيد صياغة الأسس السينمائية أو الأدبية، وكان لكل منها أسماء لمعت في عموم التاريخ السينمائي أو الأدبي. واستمر التياران بأشكال متغيرة حتى اليوم إذ لا تزال تُحال هذه الرواية أو ذلك الفيلم إلى أحدهما.

الفن كذلك شهد تغييرات جذرية لمرحلة ما بعد الحرب، وفي عموم أوروبا برزت تلك التغييرات، بشتى أسمائها وسماتها، في الخمسينيات واستمرت بتنويعات وتفريعات. الأساس فيها آنذاك كان إخلاصها للواقع المدمَّر في الانعكاس عنه، فاختفت الواقعية والانطباعية والتكعيبية كما عُرفت ما قبل الحرب، أو انمسخت إلى أسماء وأشكال مستحدثة، وظهرت تفريعات عن التجريدية، وتجارب أخرى، امتازت كلها بتكسير الأنماط التقليدية لأسس الحرفة الفنية.

لا يمكن لأحدنا أن يتوقع الحال الفلسطيني، فنياً، ما بعد الحرب الإبادية في غزة. لكن، ثلاثة مسارات لا أرى غيرها يمكن أن تتخذها الفنون. إما العودة إلى حالة ما بعد الصدمة في الخمسينيات الفلسطينية، فينكفئ الفلسطينيون عن الإنتاج بتفسيرات يمكن أن يكون أبرزها أن لا جدوى من كل ذلك الفن، وهذه حجج الخائبين واليائسين، تجاه المأساة وتجاه الفن بشكل مزدوج، ولا أرى في الممارسين الجديّين والواعين من الفلسطينيين، في شتى مجالات الفنون، انهزامية تحيل إلى هذا المسار.

المسار الثاني يكون في الخمسينيات الأوروبية، في التمرد على واقع الفنون بشكله السابق للمأساة، والخروج بتقصّد وتمرّد عن منظومة الإبداع الأدبي والصناعة السينمائية والتعامل الفني، لما كان عليه ما قبل المحاولة الملحّة لإبادة الغزيين والمستمرة لنصف عام، اليوم. وهو المسار، الثاني، اللازم تقصّده.

المسار الثالث وهو معيب في حق التاريخ الفلسطيني كما هو في حق الضحايا والناجين في قطاع غزة، هو مسار المواصلة في الإنتاج، شكلاً ومضموناً، كأن شيئاً لم يكن في القطاع، ومسار استئناف التواصل والتواطؤ مع مؤسسات أجنبية، غربيّة، كان لها موقف الداعم، كلاماً وصمتاً، لهذه الإبادة.

قد تتفاوت توقعات أحدنا عن أمنياته هنا، أو ما تفرضه علاقات القوة عما يراه ضرورياً لفض هذه العلاقات. فالأزمة الكبرى في المشهد الفني الفلسطيني هو ارتهانه، تمويلياً وبالتالي بنيوياً، إلى مؤسسات غربية لها إما شروط أو تمنيات، نجدها، الشروط والتمنيات، في أشد حالات الصناعة الفنية الفلسطينية ارتهاناً لهذه التمويلات وهي السينما. أما الفن فله حالة أكثر استقراراً لكنها تبقى مرتبطة بالسوق الرأسمالية، نرى ذلك في الحجّ الذي لا يتوقف، للفنانين وأعمالهم إلى السوق الخليجية، المطبّعة منها بالتحديد.

يبقى الأدب الأكثرَ استقلالاً واستقراراً في عموم المجالات الفنية، فليست التمويلات الغربية شرطاً في نشوئه، ولا السوق التطبيعية شرطاً في حركته. يبقى الأدب الفلسطيني أشد إخلاصاً لتحوّلات الواقع الفلسطيني، ليكون ذلك أشد وقعاً على المجتمع الفلسطيني المحتفي تاريخياً بروائييه وشعرائه بشكل سابق لفنانيه وسينمائييه وأعلى منه. أحيل ذلك إلى عامل أوّلي تليه أخرى ثانوية، هو تحرّر العمل الأدبي الفلسطيني من عمليات الإنتاج والتسويق المرتبطة بمنظومة رأسمالية يمكنها أن تحول إما دون إخراج الفيلم إلى الصالات أو إخراج اللوحة من المرسَم. المسألة إذن تتخطى الأفراد إلى منظومة يصعب عليهم تحييد عملهم عنه، وذلك ما لم تحويهم مؤسسات أمّنت لهم بديلاً، كما كان حال منظمة التحرير الفلسطينية وشبكات علاقاتها الثورية والتضامنية، في السبعينيات.

المسار الذي أرى الفلسطينيين سائرين إليه، لاختلافات في السياق التاريخي تحديداً، عما عاشه أهلنا في الخمسينيات، هو الثاني إذن، هو التكيف مع الواقع ما بعد الإبادة بتكسير علاقات القوة التي كانت سائدة في عوالم الفنون الفلسطينية ما قبل الإبادة. أما السؤال متى يبدأ ذلك، إن بدأ، وكيف؟ فتبقى الإجابة للأعوام القليلة القادمة. لكن، لما أوردتُه أعلاه، يبقى المجال الأرجح للدخول في هذا المسار التمردي، أو افتتاحه، الأشبه بما دخله الفلسطينيون في الستينيات واستمر بنضج في السبعينيات، هو الآداب، المتحررة، لطبيعتها، من منظومة إنتاج وسوق رأسمالية متوغّلة في الصناعة السينمائية والفنية في العالم، والإنتاجات الفلسطينية منها خاضعة لها بشكل يحتاج التحرر منه، إن استهلّ طريقه، وقتاً.

لا تقع المسؤولية فقط على الأفراد، أدباء وسينمائيين وفنانين، لكن، وبالدرجة ذاتها، على المؤسسات الفلسطينية المرتبطة، قبل غيرها من فئات المجتمع الفلسطيني، بمؤسسات غربية هي مراكز في علاقات القوة هذه، هي المانحة وبالتالي المسيطرة. هي بالتالي راسمة المسار الأنسب لها هي من خلال مؤسسات أصغر تعيش أو تعمل أو تتطور من خلال مِنح هذه المؤسسات الكبرى. تحالفٌ فلسطيني لا بد أن ينشأ بين الأفراد والمؤسسات والمجتمع، بين صنّاع الفن والراعين والمتلقين، للخروج بحالة لا تكون صامتة تماماً تجنباً لشروط أجنبية (المسار الأول)، ولا تكون متفوّهة بما تسمح به تلك الشروط (المسار الثالث).

شيء ما لا بد أن يتغير في المشهد الثقافي الفلسطيني، فالقول إن ما بعد الحرب لن يكون كما قبله يستحق أن يطال كافة جوانب الحياة الفلسطينية، وبالتحديد منها الفنون. يكون ذلك أولاً ودائماً لا بالتكيّف مع الواقع الجديد، بل بالالتحام مع الشعب في واقعه الجديد، وتكيّف العمل الفني يلي ذلك تلقائياً. يستطيع الفلسطينيون اليوم التعلم من تاريخهم القريب، يستطيعون تخطي الخمسينيات إلى الستينيات، في القفز عن حالة التروما التي عاشها أهلنا، في الردّ مباشرة على الإبادة بصناعة فنّية ثوريّة وعصريّة، تماماً كما ردّ أهلنا على النكبة بصناعة فنية ثورية، إنما بشكل غير مباشر، بسياق آخر استلزم المكوث أعواماً في صمت خائف ومتوجّس وتائه. هذا الصمت في الفنون، ونحن نعيه تماماً اليوم، هو ما يتوجّب تخطيه، إلى الثورة.

في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.