من بعد مهرجان كان السينمائي العام الماضي، وقد ازدحم بالأسماء الوازنة من السينمائيين، أدرك أحدنا، بأثر رجعي، سبباً محتمَلاً في تدني مستوى المشاركات في مهرجان برلين السينمائي العام ذاته، قدّم المهرجان عامها أفلاماً جميلة لا أسماء كبيرة.
عموماً، ليست الأسماء بأهمية الأفلام في مهرجانات السينما. لكن، كما كان الحال في “كان” العام الماضي، يرجَّح للأسماء الوازنة أن تحمل معها أفلاماً لا تكون، قدر الإمكان، دون المتوقّع منها. كان هذا حال المهرجان الفرنسي عامها، الذي نال سعفته الذهبية -رغم ذلك- مخرجة فرنسية لا سيرة سينمائية ملفتة لها هي جوستين ترييه. فيلمها، “تشريح سقوط” تخطى أفلاماً لفيم فيندرز وكين لوتش وآكي كاريزماكي وناني موريتي وآخرين، وكانت الأسماء المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان أكثر خبرة وإنجازاً من ترييه التي بدأ فيلمها من قمته، السعفة الذهبية، وتقدم في رحلة طويلة ستكمل السنة قريباً، من الجوائز الأولى أينما حلّ.
هذا الاختيار الاستثنائي لمحكّمي الدورة السابقة من المهرجان الفرنسي، لفيلم ليس لصاحبته سيرة عالية قبله، وهذا الاكتساح الجوائزيّ للفيلم بعد “كان”، منح المهرجان، إدارة ومبرمجين ومحكّمين، ثقةً تتخطى سطوة الأسماء الكبرى متمحورة حول أفلام يقدّمها المهرجان لتكون كبرى تصنع مكانة عالية لمخرجيها.
لم يكن هذا حال مهرجان برلين السينمائي العام الماضي، وقد تخطى أفلاماً لامعة في جوائزه، وهو بالتأكيد ليس حال هذه الدورة من المهرجان الذي سلّم جوائزه مساء السبت، مانحاً الدب الذهبي، كالعام الماضي، إلى فيلم وثائقي، في وقت شهدت الدورة أفلاماً كان يمكن للمهرجان أن يفتح لها طريقاً واسعاً لنيل حصّتها من الاعتراف العالمي خارج المهرجان البرليني، أحدّد هنا فيلمَي “يموت” للألماني ماتياس غلاسنر، الذي نال الدب الفضي لأفضل سيناريو، و”حمّام الشيطان” للنمساويين فيرونيكا فرانز وسيفيرين الذي نال الدب الفضي للمساهمة الفنية المتميزة. فيلمان كان يمكن أن ينالا اعترافات أعلى في مهرجانات أخرى.
كانت دورة هذا العام من المهرجان الألماني أقل من عادية في مسابقتها الرسمية، وقد شملت أكثر من وثائقي، وأفلاماً منها أولى لأصحابها كأنها وجدت طريقها، إلى المسابقة الرسمية، بالخطأ. فمن المتوقع أن يكون المبرمج أكثر حرصاً في اختيار فيلم أوّل لمسابقة رسمية، منها ما يفوق فعلاً أفلاماً أخرى لمخضرمين، كما كان حال “عشرون ألف نوع من النحل” للباسكية إستيباليز أوريسولا سولاغورين، و”حيوات سابقة” للكورية الكندية سيلين سونغ، في دورة العام الماضي من البرلينالي، أو -في حالة مقابلة- فيلم “بعد الشمس” للاسكتلندية شارلوت ويلز، الذي بُرمج لتظاهرة “أسبوع النقد”، وهي الرابعة من حيث الأهمية في مهرجان كان السينمائي، ولم يُمنح غير جائزة “اللمسة الفرنسية”، لتختاره لاحقاً بعض أهم الصحافة السينمائية في العالم كأفضل فيلم للعام. في البرلينالي اختيارات متسرعة ومفاجئة في طيشها للفيلم الأول، هو حال “ماء العين” للتونسية مريم جوبر.
بالعودة إلى البرلينالي ودورته الـ ٧٤ التي انتهت أخيراً، وعاد أحدنا إلى دياره منه خالياً من اكتشافات هنا أو انبهارات هناك في تشكيلته، ومحمَّلاً بخيبة جوائزه التي تلقّت أفضل تعبير عنها، وإن كان بالسخرية، من المخرج الكوري الجنوبي، هونغ سانغسو، المكثر من أفلامه والمتميز بأسلوبه، والمتردد على البرلينالي، لكن حضوره إلى المهرجان هذا العام كان بفيلم رتيب ومتهلهل، هو “احتياجات مسافرة”. قال للمحكّمين ساخراً، ملتفتاً إليهم والدب الفضي للجنة التحكيم الكبرى، ثاني أكبر جائزة، في يده، يسألهم: لا أفهم، ما الذي رأيتموه في الفيلم؟
الخيبة من الاختيارات تلتها خيبة من الجوائز، وإن كانت الأولى ضيّقت على الأخيرة، لكن أفلاماً ممتازة وإن قليلة، حضرت. شهدتها هذه الدورة التي منحت أهم جوائزها لأفلامٍ تساءل أحدنا كيف وجدت أصلاً طريقها إلى المسابقة الرسمية.
سياق سياسي مؤثّر كان للوثائقي “داهومي” للفرنسية ماتي ديوب، الذي نال “الدب الذهبي” لأفضل فيلم. يتمحور الفيلم حول قِطع أثرية إفريقية نهبها الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر، ووجدت أخيراً طريقها إلى أوطانها، وذلك في سياق عام تشهده العديد من المتاحف الأوروبية والأمريكية في الأعوام الأخيرة، حيث تُرفع دعاوى قضائية تنجح في نيل قرار بعودة الآثار التي نُهبت في زمن استعماري، إلى أهلها، ما يجعل الفيلم مادة جوهرية في فهم حالة ما بعد الاستعمار بين النّاهب والمنهوب، وفي اتخاذ القضاء ممراً لاستعادة معنوية قبل كل شيء، لما نُهب.
المهرجان البرليني المعروف بأنه الأكثر سياسية من زميليه، كان وفينيسيا، يشبه، في اختياراته وجوائزه، هذا الفيلم. وإن كانت الاعتبارات هنا سينمائيةً، جمالية وسردية، بمعزل عن السياسي والتاريخي، لنالها ما استحقها أكثر من غيره، “يموت” أو “حمام الشيطان”. لكن “داهومي” أصيل ووقعُه مدوٍّ في موضوعه التاريخي من الناحية الوثائقية وفي راهنيته، فنال جائزته، وربما مستحقاً إياها. بالنقيض منه، ابتعد المهرجان كثيراً في منح جائزة لجنة التحكيم للفرنسي برونو دومون عن فيلمه الهزلي “الامبراطورية”، أو جائزة الإخراج لفيلم “بيبي” التجريبي التائه في ذاته.
هذه المغامرة واللامسؤولية من مهرجان بحجم البرلينالي، سيحيّد أصحاب الأفلام الجيدة أكثر عنه، وسيقرّب منه، أكثر، أصحاب التجارب الطائشة سينمائياً، ولهم أساساً أمكنة للمهرجان خارج المسابقة الرسمية له، تعرّف نفسها باستيعابها خصيصاً لأفلام تجريبية وعابرة للأنواع، إنكاونترز وبانوراما وفورَم وفورَم اكسباندد، أربع تظاهرات مستقلة عن بعضها البعض، تجاور المسابقة الرسمية في العرض والتسابق على جوائز المهرجان الرسمية والمستقلة.
هذه المغامرة تؤكّد للأسماء الوازنة في عالم السينما اليوم لزوم العرض في مهرجان كان السينمائي، أو فينيسيا طبعاً، وإن كان الأخير متقرّباً بالتدريج إلى السينما الأمريكية وصناعاتها وإنتاجاتها. توحي، هذه المغامرة البرلينية، كذلك، لأصحاب أفلام روائية مشغولة جيداً، بصرياً وسردياً، ومن دون تطرّفات فنّية تائهة، توحي لهم بخيارات أكثر امتناناً أو أمناً، يُودعون فيها أفلامهم، لن يكونها البرلينالي.
مخيّبة تشكيلة البرلينالي الأخيرة، مخيبة أكثر جوائزه. لكن، إن كان لا بد من استخراج خبر جيّد هنا، فليكن توقّعاً أقرب لحال المهرجانَين العام الماضي، في أن يحمل مهرجان كان السينمائي، الآتي بعد ٣ أشهر فقط من البرلينالي، عناوين وأسماء تسرّ النّاظر إلى الشاشة. فإن كانت تشكيلة البرلينالي متواضعة اليوم، فقد يقابل ذلك تشكيلة عالية في المهرجان الفرنسي، هناك حيث يؤخّر مخرجون ومخرجات، مواعيد إطلاق أفلامهم، ليلائم “كان السينمائي”. إن نالوا، أولاً، مكاناً فيه.
