1
اكتب تعليقُا

سينما الفلسطينيين تفريع عن السينما الفلسطينية

تداخلت القضية والهوية الفلسطينيتين بشكل لا يمكن اليوم فصل إحداهما عن الأخرى، لأسباب أهمّها أن الهوية المعاصرة تعمّرت على أساس القضية التي تعود لأوائل القرن الماضي ونشوء المشروع الصهيوني، وبشكل أكثر تحديداً لعام النكبة ونشوء دولة إسرائيل.

للفلسطينيين هوية وطنيّة ومشرقيّة وعربيّة لما قبل المشروع الاستعماري على أرضها طبعاً، لكن بالحديث عن النسخة المعاصرة لهذه الهوية، والمتشكّلة بوصفها وعياً مقاوماً لما بدأت تتبدّى معالمه في الاستيطان اليهودي على أرض فلسطين، خلال النصف الأول من القرن العشرين، يتوقف أحدنا عند نقطة محورية في تاريخ الفلسطينيين هي النكبة. وما يعيشه أهل هذه البلاد حتى اليوم يُعتبر امتداداً بشكل من الأشكال، لتلك النكبة، المستمرة بتمثيلات متباينة، ومتفاوتة شدةً ومكاناً وزماناً، كانت منذ سنوات قليلة في مخيم اليرموك في دمشق، وهي اليوم في أقصاها وأقساها في قطاع غزة.

لا تنفصل الهوية الفلسطينية عن القضية، ما يعطي للأولى اتساعاً انتمائياً لا هو جغرافي ولا عرقي، فقضية الإنسان، شعباً ومجتمعاً وفرداً، في الحق والتحرر، مهما كان انتماؤه، تكون شأناً كونياً، الإنسان في نهاية الأمر قضية، كما كتب غسان كنفاني مرةً. ما يجعل من قضية الفلسطينيين قضيةً فلسطينية تتخطى أصحابَها، لتكون، وهي المبنية أساساً على أصحابها المعنيين بها تاريخاً وجغرافيا، مبنيةً كذلك على بعدها الأممي الإنساني خارج التاريخ والجغرافيا الفلسطينيين، ليكون صانع أفلام أجنبي مثلاً، معنياً بالقضية بدرجة أولى بالنسبة له، فيتمثل هذا الانتماء بما يحسن فعله، فيلماً سينمائياً مثلاً، يكون، الفيلم -وأي عمل فني- منتمياً للقضية الإنسانية في فلسطين، أي القضية الفلسطينية، ويكون بالتالي، لتداخل القضية والهوية الفلسطينيتين، وتماهيهما، وبكون الثانية مبنية على الأولى، يكون عملاً فلسطينياً، فالانتماء إلى القضية هو انتماء إلى الهوية فلسطينياً، والحديث دائماً عن الأعمال الفنية بأنواعها، التي تتخطى غيرها من الأعمال في مدى كونيّتها وإنسانيّتها، في مدى تشاركها خصائص إنسانية متخطية للأعراق.

من هنا أنطلق إلى التفريق ما بين السينما الفلسطينية وسينما الفلسطينيين، فالأولى، وهي الأكثر تداولاً، واسعةٌ سعة الكون، وسعة عدالة القضية الفلسطينية، والثانية أقرب لتكون مأطّرةً بما تستلزمه دراسة أو تحديدات تكترث بالفرز والتخصيص لأسباب بحثية غالباً. لا تنفي إحداهما الأخرى، ولا تَقل إحداهما شأناً عن الأخرى، ولا يمكن لأي منهما الطغيان على الأخرى. لكل منهما حيزه بما يتطلبه موضوع النقاش.

يخطئ كثيرون، بسذاجة، في إحالة السينما الفلسطينية إلى كل ما هو فلسطيني الأب أو الأم، أو إلى أي من الاعتبارات الانطباعية والرجعية وغير العلمية. بذلك يلغي هؤلاء إنتاجات سينمائية للثورة الفلسطينية وفصائلها، في السبعينيات، روائية ونضالية، كانت بمعظمها بصناعة عربية متكاملة، أو أجنبية، ببساطة لأن العمل الثوري الفلسطيني كان عملاً عربياً وأممياً متكاملاً كذلك. والثورة هذه، هي أنسب دليل على عالمية الانتمائية للقضية المتخطية لأصحابها اللاجئين عن قرى ومدن في فلسطين عام النكبة، والمعلنين ثورتَهم من بعدها في المخيمات خارج الوطن.

تطول، إذن، لائحة السينما الفلسطينية بأفلام أصحابها عرباً وأجانب، أما سينما الفلسطينيين فهي فرع ضمن السينما الفلسطينية أو هي متنها الأساسي وحسب، ولا تمتاز عن غيرها من سينما غير الفلسطينيين ضمن السينما الفلسطينية. هي، كما قلت، تفريع لغاية تكون، مثلاً، بحثية. والكلام ينطبق، في عمومه، على الآداب والفنون، ولا يخطئ أحدنا أسماء مثل جان جينيه في نصوصه ومارك رودين في تصميماته، الأول عايش الفدائيين وكتب عنهم، والأخير صمّم أفضل ملصقات “منظمة التحرير” وهي “للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، وفي السينما تكثر الأسماء، أبرزها جان لوك غودار الذي أحال إلى الفلسطينيين في أكثر من فيلم ومقابلة، بعدما، كذلك، عايش الفدائيين.

كي لا تأخذنا الأمثلة الحاضرة على طول عمر القضية، إلى اليوم. ليست تلك الأسماء الثلاثة سوى الأبرز لكونها أجنبية وعالمية، لا عربية، فلا تنتهي قائمة العاملين بالفنون والثقافة العرب الملتحمين بالثورة والقضية الفلسطينيتين، ولولاء هذه الأسماء العميق والجذري والمستديم للقضية. ولا يعني الانتماء للقضية انتقاصاً من انتماء وطني للفنان العربي أو الأجنبي، فالأساس في القضية الكونية أن لا انتماء وطني لها، فهي، بقيمتها الأخلاقية المتخطية للحدود، تستوعب انتماءات وطنية لأصحاب أعمال فنية تنتمي إليها بوصفها قضية، لا دولةً بحدود وطنية.

من كل ذلك، يمكن الوصول إلى إمكانية التفريق بين السينما الفلسطينية وسينما الفلسطينيين، بكون الأخيرة تفريعاً عن الأولى، بكون الأولى، وهي سينما القضية، تستوعب العالمَ كلّه، وتحديداً، وليس حصراً، الفلسطينيين من هؤلاء.

متى تحرّر الفلسطينيون، واستعادوا بلادهم من النهر إلى البحر، وبنوا دولتهم الوطنية المستقلة عليها، وحلّوا قضيتهم بوصفها قضية تحرر وطني كانت دائماً بأبعاد كونية، لتتحوّل الثورة والقضية إلى دولة مستقرة وكاملة السيادة، وقتها، يمكن إعادة الحديث، وتحديثه، في ماهيّة السينما الفلسطينية، لتعني، حصراً، سينما الفلسطينيين.

سينما الفلسطينيين تفريع عن «السينما الفلسطينية»

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.