1
اكتب تعليقُا

مَشاهد المسافة صفر القسّامية والفيلم النّضالي الفلسطيني

في زمن يعود بنا نصف قرن، كانت الكاميرا بيد الفلسطينيين سلاحاً يطلق أربعة وعشرين صورة في الثانية، العبارة التي ألقاها مرّة مصطفى أبو علي، رائد السينما النضالية الفلسطينية، في مهرجان دمشق السينمائي، والمأخوذة عن سطر لأوكتافيو جيتينو وفرناندو سولانا في بيانهم التأسيسي عن السينما النضالية في العالم، حيث الأفلام سلاح ثوري في مواجهة الفاشية والاستعمار.

تغيّرت الظروف وتغير حال السينما الفلسطينية، إلى أن ظهرت فيديوهات كتائب الشهيد عز الدين القسام، المتسارعة في تطوّرها منذ أولها مع عملية “طوفان الأقصى” إلى عمليات إطلاق الصواريخ، ثم الفيديوهات الإعلامية عن إمكانيتها في التصنيع وإتقانها في التدريب، وأشدّها إبداعاً فيديوهات “الإعلام العسكري” للاشتباكات البرية.

هي فيديوهات -تسمّيها الكتائب بلغتها العربية الصحيحة “مشاهد”- وليست أفلاماً ولم يكن المقصود منها كذلك، وإن جاء أحدهم يوماً ليصنع فيلماً وثائقياً أو تجريبياً مبنياً عليها، أحسن إليها أم أساء، فهذه مسألة أخرى. لكنها، المَشاهد شبه اليومية “للإعلام العسكري” -والحديث كله هنا يشمل كذلك مشاهد “الإعلام الحربي” لسرايا القدس- تحوي في موادها الأصلية، أثمن ما أمكن للأفلام النضالية في زمانها أن تحويه، وهو تصوير عمليات مقاومة عسكرية من المسافة صفر. في ذلك، كان مصورون سينمائيون يرافقون الفدائيين، في السبعينيات، زمن الثورة وأفلامها، لا لتصوير عمليات عسكرية وحسب، بل لمنح الأمر بتنفيذها، متى جهزت الكاميرا، كما نسمعه تماماً في مشاهد القسّام، من خلف الصورة، بصوت أحدهم، حاملاً كاميرا رقمية جاهزة أو مجاوراً لها، معطياً أمر الإطلاق. أو توجيهه، كأن لا يطلق الرّامي على الجرّافة بل يوفّر قذيفته للدّبابة.

المصور السينمائي الأول، هاني جوهرية، استشهد في عملية تصوير للفدائيين، رافقهم كما يرافق المصورون من القسّام رفاقَهم، لتتماهى الحدود بين التصوير والإطلاق، أضف إليها أن مقاتلين من القسّام، هم مصورون كذلك، بكاميرات معلقة على رؤوسهم. في هذه العمليات، المصوّر فيها يحمل بندقية والمصوّب يحمل كاميرا، تماهت التعريفات والوظائف ما بين الكاميرا، والأسلحة القسّامية، من بنادق وقذائف. هنا، تصل لا الأفلام النضالية، بل موادها الحيّة، إلى أرقى درجاتها وأقصاها حِرفيّة. هي النقطة القصوى التي سعى إليها صنّاع الأفلام النضالية منذ تأسيس العمل السينمائي الثوري الفلسطيني أواخر الستينيات حتى ختمها بأفول الثورة أوائل الثمانينيات.

لا يكترث مقاتلو القسّام، الإسلاميّين أساساًَ، بهذا الجانب، السينمائي النضالي الفني، لمَشاهدهم، فالغاية هنا حربيّة ومعنويّة وتوثيقيّة يتطلّبها ظرفُ حرب الإبادة الواقعة على الغزّيين، والمشاهد متقنة في طبيعتها التصويرية والمونتاجية، بما يفوق معظم الإنتاج الوثائقي السينمائي الفلسطيني اليوم، وإن لم يكترث صانعوها في ساحة القتال بأي قيمة سينمائية لها. هي للإعلام العسكري لكتائب مقاتلة في قلب المعركة، وليست لجهة سينمائية، وإن كانت الأفلام النضالية في زمن الثورة تابعة، في النهاية، للإعلام الموحّد لمنظمة التحرير الفلسطينية أو لوحدة الإعلام في هذا التنظيم أو ذاك.

الغاية، في الحالتين، تسجيلية، في زمن الثورة لصناعة فيلم نضالي، وهو نوع سينمائي له نظرياته وأشكاله ومضامينه الخاصة، نوع واعٍ لذاته ومنتشر بين حركات التحرر الوطني والحركات اليسارية الثورية في العالم. أما في الحالة الراهنة في قطاع غزة، فهو فيديو يُطَلق فوراً، في اليوم ذاته للعمليات القتالية أو التالي لها، في زمن مختلف لا سينما نضالية فيه، بمعنى النوع السينمائي، بل فيديوهات برقيّة تلائم زمننا. لا اعتبار لنوع سينمائي هنا، اليوم، بل لإنجاز الفيديو العسكري وبثّه على كافة المنصات الممكنة، بدءاً من التلفزيونات، قناة الجزيرة والتلفزيون العربي تحديداً، وليس انتهاء بتيليغرام وتيكتوك. تماثلٌ ساطع يحضر بين مَشاهد أولئك الفدائيين وهؤلاء الجهاديين، لغايتين واعيتَين ومتباينتَين تبعاً لزمن كلٍّ منهما.

فيديوهات القسام والسرايا ليست إذن سينما نضالية، ولم يرِدها أصحابها كذلك، لكنها تحمل أرقى ما حاولت هذه السينما الوصول إليه قبل نصف قرن، الانطلاق من تصويرٍ التحامي وواقعي للمعارك، من المسافة صفر، أما العمليات الإعجازية في القنص والإطلاق وزرع العبوات، فهذه مسألة أخرى تزيد من قيمة المادة المصوَّرة من قلب الاشتباكات، تعود لمهارة الفرد داخل الإطار. هنا فقط تكون السينما من المسافة صفر. المسافة التي أبدع في تصويرها المقاومون في غزة اليوم، والتي كانت أرقى ما سعى إليه مصوّرو الفدائيين بالأمس.

تطورٌ واضح ونضجٌ تقني وسردي يلحظه متابع مَشاهد القسام من بدايات الاشتباك البري حتى اليوم، في ترتيب أحداثها، في مونتاجها وهذه واحدة من  أقوى خصائصها، في المؤثرات البصرية والكتابية، والموسيقى التصويرية، في إيقاف الصورة وإرجاعها فتقديمها، في بناء سردية، في أين كان المقاتل وأين صار، ما قبل الإطلاق وما بعده، الغنائم، التحضير للكمين قبل العملية، في التصوير من أكثر من زاوية لتتكامل اللقطات بالمونتاج، وغيرها من تقنية العمل السينمائي المحترف المتطلّب لغرفة مونتاج مجهزة ولحالة سلمٍ بطبيعة الحال، لا غرفة عمليات حربية في نفق هو مأوى المقاومين الوحيد. وهذا كله في فيديو مبهر بدقائق قليلة.

كان الفلسطينيون في زمن ماضٍ من علامات السينما النضالية في العالم، يبرزون في طشقند ولايبزيغ وقرطاج ومهرجانات أخرى لهذه السينما، بأفلامهم حيث يكون الفيلم التسجيلي الواقعي، إخبارياً وتحليلياً وتوثيقياً وتحريضياً، مادته متنوّعة، من التمثيل إلى المقابلات والشهادات والعمليات، مروراً بالأرشيف، أنواع مكوِّنة للفيلم النضالي أرقاها كان في التصوير الحيّ للعمليات، ومن المسافة صفر.

هذه الأخيرة، يصنعها المقاومون اليوم في أكثر حالاتها مهارةً ورقي، في تاريخ الفلسطينيين وفي عموم جغرافيا العالم، وبكميّة ونوعيّة عاليَين. لا يعني ذلك أن تياراً من سينما نضالية سيحلّ علينا قريباً، فلكل زمن سينماه، وصنّاع هذه المَشاهد لا يعبؤون بسينمائية فيديوهاتهم، بل بدورها الحربي المباشر والفوري. بل يعني، من بين ما يعنيه، إشارةً إلى القدرات التقنية السينمائية الهائلة لأفراد ترفّعوا عن احترافية العمل السينمائي ليكرّسوا مهارتهم في العمل الحربي الحيّ، العمل المقاوِم.

نشهد اليوم نمطاً من الفيديوهات العسكرية للمقاومة، هي الشكل الأرقى الذي أراد الفلسطينيون في زمن سابق الوصول إليه، للبناء عليه في سينما نضالية تكون سلاحاً تماماً “كالكلاشنيكوف” في حينه أو “الياسين” و”الغول” اليوم. هي المشاهد المصوّرة من المسافة صفر. هنا، أكثر من أي وقت مضى في تاريخ السينما النضالية في فلسطين وربّما العالم، يكون المشهد القسّامي بأربع وعشرين طلقة، قولاً وفعلاً.

مَشاهد المسافة صفر القسّامية والفيلم النضالي الفلسطيني

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.