1
اكتب تعليقُا

“سجل اختفاء” و”عرس الجليل”… استشراف الحدث السياسي

تُقسّم السينما الفلسطينية إلى مراحل تبعاً للسياق السياسي، أي لمكانة حركة التحرر الوطني الفلسطيني وحالها في تاريخها، من منطلق أنّ الواقع سابق للأفكار والفنون، وأنّ الأخيرة تعكسه، في تيارات ومراحل وأنواع سينمائية منبثقة عن واقع صنّاعها وشعوبهم.

بتفحّص مسيرة السينما الفلسطينية، قد يخرج أحدنا بسؤال عن ضرورة أو إمكانية أن تشهد هذه السينما مرحلةً جديدة تخرج من الوضع التاريخي الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم، بصفته مفصلاً في تاريخهم لا يقل تأثيراً عن غيره، كأفول الثورة أوائل الثمانينيات، واتفاقيات أوسلو أوائل التسعينيات وهزيمة الانتفاضة الثانية أوائل الألفية، لكونها ثلاث كوارث طالت الحركة الوطنية الفلسطينية وعموم الحياة السياسية والاجتماعية للفلسطينيين، وكلٌّ منها حمل معه مرحلةً سينمائية جديدة. أما سبب التأثّر المباشر والعميق للسينما الفلسطينية بواقع شعبها، فيعود أولاً لوطأة هذا الواقع وديناميكيّة مآسيه المتتالية، والحديث عن مسألة استعمار استيطاني ممتد لخمسة وسبعين عاماً اليوم، وثانياً لهشاشة هذه السينما وطراوتها، كمّاً ونوعاً.

هذا كله يحيل إلى السؤال في احتمالية بل ضرورة أن توجد مرحلة جديدة للسينما الفلسطينية، من بعد المقاومة العظيمة والكارثة الفظيعة، في قطاع غزة من بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول. لكن، طرح هذا السؤال يستحضر حديثاً ضرورياً عن أفلام بعينها كانت استهلالاً لمراحل في هذه السينما، وكانت، في الوقت عينه، استباقية. فكما كانت المراحل السابقة لهذه السينما مرفقة بأفلام استهلالية واستشرافية، الحال ذاته يتكرر الآن هنا. هي أفلام انتبهتْ لسياقها وكانت مخلصة له، لحالات التمرد فيها تحديداً بما ينسجم مع تطلّعات الشعب الفلسطيني وآماله. فتحوّل الانتباه والانسجام إلى استشراف، كي لا أقول كلمةً غيبيّة هي تنبّؤ.

يستثني هذا النقاشُ المرحلة الأولى للسينما الفلسطينية، السبعينيات والسينما الثورية، لكونها أولى وتأسيسية، فلا مكان للحديث عن فيلم استباقي للمرحلة. من بعدها، في الثمانينيات، ومع أفول الثورة، دخل الفلسطينيون، بحركتهم الوطنية ثم انعكاساً بصناعتهم السينمائية، مرحلةً متشوّشة مشتّتة يحاولون فيها تلمّس مواقعهم المقبلة مشتتين، قيادات وفدائيين وأهالي، في البحار والبلاد. خلال هذا العقد، واليأس فيه، اندلعت انتفاضة الحجارة، لتكون شعلةً في ليل فلسطيني طويل، تستحضر أمل ثورة المخيمات، داخل الأرض المحتلة في القطاع والضفة.

الأمل هذا، استهلّه سينمائياً فيلم ميشيل خليفي “عرس الجليل” 1987 الذي كاد، كالانتفاضة، أن يستهلّ مرحلةً جديدة في السينما الفلسطينية، قبل أن تكتم اتفاقياتُ أوسلو الانتفاضةَ، وتستحضر أفلاماً لخليفي ومعه رشيد مشهراوي تكتم كذلك سينما انتفاضة جماهيرية، كما رأيناها في “عرس الجليل” حيث يتمرّد الجمهور أخيراً على الحاكم العسكري ويُخرجه وعساكرُه من ساحة العرس والقرية، ما كان تصويراً مزامناً لانتفاضة الحجارة والجماهير.

الفيلم استهلّ مرحلة انتقالية لم يمثّلها روائياً، في عقد خالٍ في السينما الروائية الفلسطينية، غيره، لانقطاع المرحلة سريعاً بالاتفاقيات كما انقطعت الانتفاضة بصفتها حراكاً جماهيرياً. كانت المرحلة السينمائية الموؤودة إذن، في مهدها وبفيلمها الأول والأخير، مثالاً أوّل على تعلّق المراحل السينمائية الفلسطينية بأفلام استباقية، أقول استباقية لأن التحضير لهذا الفيلم، كتابةً تحديداً، استغرقَ صانعه معظم سنوات الثمانينيات إلى عام صدوره عام الانتفاضة.

التسعينيات كانت مرحلة أوسلوية في السينما الفلسطينية، بؤس وبأس طالا القصص والشخصيات. بثلاثة أفلام بسيطة لا مكان لها في استشراف مراحل مقبلة في آخر نفق ما، بل كانت منغمسة في مرحلتها مخلصةً لحالة الخيبة التي عاشها الفلسطينيون خلالها، وكانت تثبيتاً لانفكاك وتدهور الحركة الوطنية الفلسطينية التي بدأت بأفول الثورة قبل أن تكون انتفاضة الحجارة محاولة إنعاش، كما كان فيلمها “عرس الجليل” محاولة إنعاش لهذه السينما. لكن لنهايات هذا العقد كان كلام آخر.

أخرج إيليا سليمان فيلمه الأول “سجل اختفاء” عام 1996، سنوات قليلة قبل انتفاضة الأقصى، ليلحقه بفيلمه التالي “يد إلهية” عام 2002، في عزّ الانتفاضة. الفيلمان أقرب ليكونا فيلماً واحداً طويلاً أو في جزأين، استمرّ سليمان في الثاني ما بدأه في الأول، شكلاً ومضموناً وأسلوباً. وقد يختلط الأمر على المشاهدين في إن كان هذا المشهد أو ذاك، من أول الفيلمين أو آخرهما. وسليمان في بحثه عن جهات إنتاج لثاني الفيلمين كان يلقى ردوداً في أنّ لا جديد فيه، وهو مطابق للأول. الفيلمان إذن، كعموم سينما سليمان أقرب إلى فيلم واحد، بدأ سنوات قبل الانتفاضة وانتهى معها، فعمليات تصوير الثاني كانت مرافقة للأيام الأولى للانتفاضة، وكان سليمان عبّر عن رغبته في إيقاف التصوير حينها قائلاً لمنتجيه، إن ما أراد قوله بالفيلم يحصل واقعاً أمامهم. الفيلمان إذن، استشرفا حالة جديدة سيعيشها الفلسطينيون، بعد عقد من الخيبة الأوسلوية وتمادي الانحياز الأمريكي تجاه إسرائيل، وعزل ياسر عرفات أواخر الألفية، ما أدى بخيبة ثم انفجارٍ انتفاضيّ لدى الفلسطينيين وعلى مستوياتهم كافة.

فيلما سليمان يظهران بوضوح الخيبة والرغبة الفلسطينية في التمرد عليها، العنف الكامن في الفيلمين، وإن أتى ساخراً وسوداوياً، كان شديد الوضوح. أولهما مثلاً، “سجل اختفاء”، لم يكن أوسلوياً كغيره، لم يخضع للحالة الراهنة، بل تمرّد عليها ما يجعله مستبِقاً حالة تمردية فلسطينية ستنجم عن الضغط الذي أحدثته الاتفاقيات. فيلما سليمان إذن اختتما مرحلة مفتتحا مرحلة تالية. في الثاني “يد إلهية”، كانت المقاومة أشد وضوحاً، على مستوياته كافة، والتوتّر في الأول تحوّل إلى تمرّد. والفيلم وإن صدر بعد عامين من الانتفاضة، زامنت عملياتُ الإنتاج فيه بداياتها. افتتح الفيلمان أخيراً المرحلة الجديدة لهذه السينما الممتدة، من عام 2000 إلى اليوم بتنويعات طفيفة من دون أن تخرج من طبيعة المرحلة الواحدة المتآلفة أفلامها بين بعضها بعضا نسبياً، وإن طال الزمان بها لما يقارب ربع قرن، وإن خرجت أفلامٌ استثنائية عن السّرب.

اليوم، مع الحالة النكبويّة التي يعيشها الفلسطينيون، في قطاع غزّة تحديداً، يطرح أحدنا سؤالاً حول احتمال مرحلة جديدة لهذه السينما، وقبلها يسأل إن كان من فيلم استشرافي يمكن أن يستهلّ هذه المرحلة كما فعل “عرس الجليل” و”سجل اختفاء” و”يد إلهية”.

«سجل اختفاء» و «عرس الجليل»: الحدث السياسي والمرحلة السينمائية

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.