1
اكتب تعليقُا

في ضرورة مرحلة جديدة للسينما الفلسطينية

ليس في مسيرة السينما الفلسطينية فقط، أحدثت التغيراتُ التاريخية تغيراتٍ سينمائية، فهذه الأخيرة دائماً تلحق الأولى، حالها حال الفنون والأفكار في تشكّلها استجابةً للواقع، أكانت هذه الاستجابة تماشياً أو تمرّداً أو ما بينهما، مراوغةً. مثالٌ على الحالة الأخيرة كانت “الشكلانية” في السينما والفنون السوفييتية في سياق قمعٍ بوليسي، في الحالة الأولى كانت “الموجة الجديدة” الفرنسية و”الواقعية الجديدة” الإيطالية، الأولى موازاةً لسياق ثوري أوصلَ إلى ثورة مايو ٦٨، والثانية لسياق مأسويّ انهياريّ لحال البلاد ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما حالة التمرد فكانت في “الفيلم النضالي” المرافق لثورات تحرّرٍ وطني أو اجتماعي في سياق احتلال أجنبيّ أو حكم شموليّ، في عموم بلدان الجنوب العالمي. تظهر تيارات، وكذلك تختفي أخرى كما هو حال “السريالية”، ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا لفداحة فظائعها، ولفراغ معنى الفن السريالي، بصفته متخطياً للواقع، من بعدها.

هذا التقديم التاريخي السريع لتيارات سينمائية يدعو للسؤال إن كانت تراجيديّة الحالة في قطاع غزة اليوم ستودي إلى ميول وتوجّهات جديدة في السينما الفلسطينية. لا أقول تيارات، فلا الكمّ ولا النّوع لهذه السينما يسمح بذلك، التيّار يتطلّب تجارب ناضجة فنياً ومنسجمة فكرياً وواعية لذاتها، تؤسّس بالتراكم معالم ولاحقاً معايير التيار السينمائي. فلا مجال للحديث عن تيّارات هنا، بل عن السينما الفلسطينية في عمومها وضمن مسيرتها.

بالعودة إلى التاريخ القصير للسينما الفلسطينية، نجد انقطاعات وتحوّلات في توجّهاتها (مع استثناءات تثبت القاعدة) كانت انعكاساً لمآلات تراجيديّة شهدها الفلسطينيون ورسمت مسار حركتهم الوطنية. الواقع الثوري للفلسطينيين في السبعينيات أتى بالسينما النضالية، واقع أفول الثورة في الثمانينيات أتى بشتات موضوعاتيّ وأسلوبيّ كاد يستلم أوّل خيط في مسيرة أمكن لها أن تستمر، بالتزامن مع انتفاضة الحجارة. انهيارٌ طال الحركة الوطنية الفلسطينية في اتفاقيات أوسلو عقب آمالٍ كبرى أوجدتها الانتفاضة، سياق أتى بنوع جديد من السينما لا تفاؤل الثمانينيات فيه ولا ثورية السبعينيات، بل بؤس التسعينيات. انتفاضة الأقصى استحضرت مرحلة جديدة من السينما الفلسطينية بدأت تظهر فيها شخصيات تحاول المقاومة أو التمرد بغض النظر عن النتيجة (أو سياق استحضارها). هي مرحلة استمرت حتى اليوم بتفاوتٍ هنا وهناك، بتنوّعٍ لاحق في هذه المسيرة لحق أحداثاً لم يكن أيٌّ منها بتراجيدية الحالة في غزة اليوم.

ما يعيشه القطاع هو، في عموم التاريخ الفلسطيني المعاصر، بموازاة أحداث مفصلية أخرى، بل أشد مأسوية ووقعاً، أدت إلى انقطاعات سينمائية، منهيةً مرحلة بادئةً غيرها: صعود الثورة أواخر الستينيات، أفولها أوائل الثمانينيات، اتفاقيات أوسلو أوائل التسعينيات، ومعها انتفاضة الحجارة والأمل الذي حملته قبل أن تكتمه الاتفاقيات، وانتفاضة الأقصى والأمل الذي حملته قبل أن تكتمه المجازر ثم الاتفاقيات ثم الاقتتال، ما جعل مرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية، وإن مستفيضة، كارثة متوزّعة على مراحل. ثم، تتالت سياسات الاستعمار وحروبه على القطاع والضفة بأشكالها وأحجامها. الحرب الإبادية على قطاع غزة، اليوم، أشد بؤساً على الفلسطينيين من أفول الثورة واتفاقيات أوسلو، وكل الكوارث التي شهدها الفلسطينيون منذ النكبة، الكوارث التي لحقتها انقطاعات ومراحل جديدة في السينما الفلسطينية. تعيش هذه السينما اليوم أشد حالات الواقع الفلسطيني مأسويّة، ما يحرّض على التفكير بمرحلةٍ جديدة قد تشهدها، في شكلها ومضمونها، أكانت بقطعٍ مباشر مع ما سبقها أو بتدرّجٍ استلزمته مراحل الإدراك والسلوك لدى صنّاع الأفلام. لكن، لن يعتمد الأمر كليّاً عليهم، وهنا مكمن القلق في المقبل من هذه السينما.

لا خيار ثالث أمام السينما الفلسطينية ضمن هذا السياق المتطرّف في ألم الفلسطينيين، فهي إن لم تأتِ بانحيازات جديدة متآلفة مع هذا الألم، بالتحامٍ مع شعبها واستعادته كجمهور أوّل لها، وقبلها كمصدر أوّل لقصصها، ستدخل في حالة بلادةٍ وانفصالٍ تام عن واقع الشعب يزيد من الفجوة الحاصلة أصلا بينهما، بين الفيلم ومُشاهده الفلسطينييَّن. السينما الفلسطينية اليوم على مفترق طرق.

هذه السينما، كغيرها من التيارات في العالم، لن تكون في موقعها الطبيعي، الصحّيح تاريخياً، سوى بكونها انعكاساً لواقعها، تماشياً أو تمرداً أو مراوغةً. وإن كان التماشي أضعف حالاتها، بتصويرٍ للآلام كما هي، يكون التمرد أعلاها، بتصويرٍ لردّ الشعب على الآلام ومقاومة محدِثها، أما المراوغة فتكون هنا في محاولات تصوير الآلام والتمرد بما يمكن أن يسمح به صانعُ القرار، المموّل الأوروبي في هذه الحالة، المتّخذ لموقع أجهزة الرقابة والأمن في الدول الشمولية والبوليسية.

التطور الطبيعي والمتدرّج للسينما الفلسطينية اليوم سيأتي، في حالته الطبيعية فقط، بأنواع جديدة، بمواضيع وتناولات على مستوى الألم الفلسطيني وتطرّفه. أقول ذلك مع قلق في محاولات التمنّع الذي يمكن أن يعيشها صنّاع الأفلام بفعل ارتهان الفيلم إلى الممول الأوروبي، فيُخرج الفيلمَ عن طبيعته، وعن سياقه، ويفصله عن تضحيات شعبه وبطولاته، فلا يكون متماشياً ولا متمرداً، وتكون المراوغة فيه بحدّها الأدنى لتكون انتهازيةً خجولة، ودائماً متلائمةً مع السياسات الثقافية والفنية الأوروبية التي، هي ذاتها، ألغت عروضاً ومناسباتٍ في الفنون والثقافة الفلسطينية (والمتضامنة حتى مع ضحايا غزة) في الأسابيع الأخيرة، ضمن ثقافة إلغاء علنية ومتدحرجة ومتطرّفة ومنافقة ووضيعة. الفيلم الفلسطيني لا يمكن أن يكون في موقع الحياد هنا. إمّا التماهي مع واقع الغزّيين أو مع توقّعات الغربيين.

المسار الطبيعي للعمل الفني يكون ضمن سياق التراجيديا التي يعيشها صاحب العمل ضمن مجموعة أكبر هي شعبه أو مجتمعه. لكن في حالة السينما الفلسطينية، هنالك من يقرّر في مدى شكل الفيلم وموضوعه ومدى استجابته للواقع وفي كيفية هذه الاستجابة، هو الممول الأوروبي، وهو الأساسي لهذه السينما. هو مساهمٌ أوّلي في تشكيل السردية الفلسطينية كما تجسّدها السينما، لذلك يكون في معظمه تجسيداً متخلخلاً وفضفاضاً، وهو، الأوروبي، لا يتشارك مع صانع الفيلم وعموم شعبه، الألمَ أو السياقَ التراجيدي، مثال بسيط على ذلك نجده في انقطاع السلطة الفلسطينية عن واقع شعبها، بفجوة بينهما تتّسع مع كل مأساة فلسطينية، لالتزامها بسياسات متأثّرة بتمويل أجنبي، الأوروبي هو أساسه. فالممول، للسلطة/للمؤسسة/للسينما، له توقّعاتٌ هي أقرب لإملاءات، إما أن يلبّي المستفيدُ من التمويل هذه التوقعات أو يكفّ عن كونه مستفيداً. أمّا المستجدّ في الأسابيع الأخيرة، فهو اتساع هوّة التناقض بين واقع الشعب وتوقّعات المموّل. فهل انسجام صانع الفيلم مع واقع شعبه، بمأساته المتطرّفة اليوم، سينال قبولاً لدى الأوروبي المتطرّف في نظرته الإنكارية إلى تلك المأساة أو حتى المبررة لها، “لضرورتها”؟ وهل سيتّخذ الفيلم من نفسه موقع الوسيط بين الطرفين كأنه تقرير أمميّ؟ التناقض بين الطرفين يصل اليوم، مع الوقوف الرسميّ والمؤسساتيّ الأوروبي، عموماً، في صفّ الإبادة الجماعية لأهالي غزة، ومع الخسارات الجمعية والكارثية لدى الفلسطينيين، يصل إلى أقصاه، فلا واقع الفلسطينيين يقبل مراعاة الفيلم لتوقّعات الأوروبي، ولا توقّعات الأخير تقبل التحاماً للفيلم مع واقع الفلسطينيين. كنت أحلتُ في مقالة سابقة (القدس العربي. ١٨/١٠/٢٠٢٣) غيابَ المقاومة كموضوع رئيسي في السينما الفلسطينية، إلى التمويل الأوروبي. فما الحال الذي ستكون عليه المقاومة في هذه السينما اليوم؟ اقتراب من الواقع الفلسطيني يقابله رفض تام من المموّل الأوروبي، أم مواءمة مع المموّل ذاته يقابله انعزال تام عن الواقع والشعب والقضية.

خيار واعٍ ولا ممرّات التوائية فيه، هو ما تحتاج هذه السينما أن تنتبه إليه اليوم، يكون بأولويّة الفلسطيني، قضيةً وشعباً وواقعاً، وجمهوراً هو مصدر القصص الأصلي ومنبع الشخصيات للفيلم، وبتوازنٍ يسمح للسينما بالثبات على ذلك لا المراوغة فيه واللعب عليه بما يخاطب الأوروبي، ممولاً وموزّعاً ومشاهداً ومبرمجاً ومحكّماً وناقداً. الطبيعي في التجربة التاريخية أن يحاول صانع الفيلم الفلسطيني أن يرتقي، قدر الإمكان، إلى مستوى التراجيديا الوطنية، أو أن لا يقدّم فيلمه أساساً كأنّ شيئاً لم يكن، لأنّ شيئاً لم يكن للممول الأوروبي حقيقةً، لكن ليس لصانع الفيلم وأهله وجيرانه وشعبه. هنا تأتي مسألةُ الأولويّة وسؤالُ لمَ تُصنع الأفلام؟

لا وصفة لذلك أو لائحة أو كتيّب إرشادات. تستحقّ التراجيديا الغزّية مكانةَ الحالة التأسيسية لمرحلة سينمائية جديدة، تكون السينما فيها هويةً متجدّدة ملتحمة، أكثر، مع واقع الفلسطينيين، تكون السينما فيها فناً بصرياً وسردياً مقاومِاً، تكون السينما مستحقّةً الانتماء لشعب مرّ ويمر بكل هذه المآسي الفظيعة من ناحية، والتضحيات العظيمة من ناحية أخرى.

ليست هنالك معايير مسبقة لذلك، بل الأفلام بتراكمها هي التي تأتي بهذه النظريات، كما كان الحال مع التيارات التي ذكرتها أعلاه. يمكن لنصّ نقدي أن يستقرئ الحال ويقدّم طرحاً نظرياً ما، كما في تلك التيارات، مع سيرغي أيزنشتاين في روسيا، وأندريه بازان في فرنسا، وسيزار زافاتيني في إيطاليا، وفرناندو سولانا وأوكتافيو جتينو في السينما النضالية للعالم. هم وغيرهم كثر، نقّاد ومخرجون أطّروا شكلاً ومضموناً نوعاً سينمائياً جديداً استجابةً لواقع متطرّف استدعى تلك التيارات. الأساس يبقى في تراكم الأفلام وتشكيلها لما سيصير تيّاراً ينضج ويحدّد هويّته. ولا يكون ذلك من دون الالتحام بالناس وهمومهم، بمآسيهم، وبتراجيدية الحالة الفلسطينية اليوم، كي يكون الفيلم حقيقياً قبل أن يكون واقعياً، وكي يكون صادقاً قبل أن يكون خيالياً. وأيّ غضٍّ للنظر عنه، أيّ صناعة سينمائية فلسطينية تكون معزولة عن الواقع، كأنّ شيئاً لم يكن، كأنّ لا حرب إبادة في غزة، ستكون، هذه الصناعة، تماماً، كوزير الثقافة الفلسطيني السابق ذاك، الذي أهلكنا صوراً له يوقّع رواياته مبتسماً، في ازدحام صور الشهداء من غزّة.

في ضرورة مرحلة جديدة للسينما الفلسطينية

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.