1
اكتب تعليقُا

حضور غزّة وغيابها في السينما الفلسطينية

تغيّرٌ درامٌّي طال قطاع غزة بوصفه موقعاً للسينما الفلسطينية، حيث تدور الأحداث وتتحرّك الشخصيات، من أفلام ما قبل العام ٢٠٠٠ إلى ما بعده، ما جعل القطاع، أخيراً، مهمَّشاً في عموم الصناعة السينمائية الفلسطينية خلال الربع قرن الأخير. لذلك أسباب متقاطعة لكنهّا غير مبرِّرة.

قبل الخوض في تحليل ظاهرة هامشية قطاع غزّة في السينما الفلسطينية، أمرّ على الحضور الجوهري لهذا القطاع في مراحل تطوّر القضية منذ النكبة إلى اليوم، فلطالما كانت معقلاً للفدائيين قبل الثورة وخلالها، إلى ما بعدها في كافة مراحل النضال الوطني، حتى اليوم الذي أخرج القطاعُ فيه العمليةَ الكبرى في تاريخ هذا النضال في السابع من أكتوبر. لكن، مقابل هذا كله، لم يكن لغزة ذلك الحضور الموازي في السينما لما هو في واقعها وموقعها ضمن تاريخ النضال الوطني الفلسطيني وراهنه.

في السينما الروائية الفلسطينية، بدأ الحضور الغزّي في التسعينيات، بتوافق مع اتفاقيات أوسلو، وبما يمكن تسميتها “سينما أوسلو”، وهذه سينما منقطعة لم تنضج معالمها كمرحلة سينمائية، إذ اكتفت بثلاثة أفلام وإن كانت جيدة في عموم مسيرة هذه السينما، “حتى إشعار آخر” و”حيفا” لرشيد مشهراوي، وكلاهما يتناول يومياتٍ عبثية في المخيم، من حظر التجوال إلى المجنون المتجوّل، و”حكاية الجواهر الثلاث” لميشيل خليفي، ويتناول أحلامَ أطفال وحكاياتهم الخرافيّة. اتخذت الأفلام الثلاثة من القطاع موقعاً لمجرياتها، في وقت كان لغزة أولوية في الاتفاقيات على غيرها من المناطق والمدن الفلسطينية. الأفلام هذه أوسلويّة تماماً، فيها بؤس الشخصية الفلسطينية ويأسها وعجزها.

بدأت غزة هنا لتكون محوراً للسينما الفلسطينية الأوسلوية، بانسجام سينمائي مع الواقع السياسي للاتفاقيّات الهزليّة، لكنها مرحلة انقطعت قبل أن تنضج، بانتفاضة الأقصى التي تمركزت في الضفة الغربية، ولأن السينما، الفلسطينية تحديداً، انعكاسٌ للواقع، ولأن للواقع الفلسطيني سطوة كبرى على الأعمال الفنية للفلسطينيين، انتقل الثقل الموقعيّ للسينما الفلسطينية إلى الضفة الغربية، وتحديداً مدنٍ أساسية فيها كرام الله والقدس. إضافة إلى مدن في الداخل الفلسطيني كحيفا والناصرة. هنا، بدأ القطاع يضمر في هذه السينما. فمنذ العام ٢٠٠٠، تهمّشت غزّة بصفتها موقعاً سينمائياً كان محورياً، لتصير موقعاً بالكاد نسمع عنه.

عاد القطاع إلى السينما بقصّة حب ساذجة في فيلم متواضع هو “حبيبي راسك خربان” لسوزان يوسف، وذلك بعد انقطاع شبه تام للقطاع خلال العقد الأول الذي ميّز نصفَها انتفاضةٌ حمل ثقلُها السينما الفلسطينية إلى الجزء المتجزّئ من الأرض الفلسطينية المسمى الضفة الغربية، وميّز نصفَها الآخر اقتتالُ فتح\حماس الذي زاد من عزلة القطاع على كل الأصعدة، بما فيها السينما. ليمر العقد الأول بمواقع تراوحت بين القدس ورام الله وما جانبهما، ومناطق في الداخل، في غياب تام للقطاع.

تلاه فيلم حضرت فيه غزّة بالصدفة، “يا طير الطاير” لهاني أبو أسعد الذي نقل بأسلوب استهلاكي خفيف، قصّة المغنّي محمد عسّاف وتحوّله إلى “نجم العرب”. أما الحضور الذي تكرّس لغزّة بصفتها موقعاً أولياً وشخصيات لها مصداقية اللهجة والحوارات، بظروف نابعة من القطاع ومجتمعه وهمومه، لا مُسقَطة عليه من الخارج، فكان بفيلم الأخوين عرب وطرزان ناصر “ديجراديه” الذي يحكي عن نساء عالقات في صالون تجميل. الموثوقيّة الآتية بتصوير القطاع كما كانت في فيلمَي مشهراوي، استحضرَها الأخوان في فيلمها هذا وفي التالي، وقد يعود ذلك أساساً إلى حقيقة انتماء كل من مشهراوي والأخوين ناصر إلى القطاع، ما أعطى لتصويرهما أفلاماً لقصصٍ من هناك مصداقيةَ أحاديث للأهالي عن أحيائهم، لا لآخرين شاهدوا هذه الأحياء في التقارير الإخبارية والوثائقيات.

عاد مشهراوي إلى غزة في سينماه إنّما بما بان دعاية سياسية بائسة في فيلم “كتابة على الثلج” الذي تناول اقتتال الحركتَين من خلال شخصيات مختبئة في بيت، بانحدار فنّي عام وسرديّ خاص عمّا كانت عليه أفلامه السابقة، وتحديداً فيلماه من غزة في التسعينيات. يصل العقدُ الثاني من الألفية إلى نهايته مع تكريس لما كان في العقد الأول، تهميش للقطاع في السينما الروائية الفلسطينية، وحصر استحضاره بأبناء القطاع من صنّاع الأفلام. كأنّه مسألة أهله لا حالة فلسطينية يمكن، بل يتوجّب، استحضارها سينمائياً بشكل يليق بموقع غزة وواقعها ضمن التاريخ الفلسطيني وراهنه.

إن كان لغزة حضور مستحَق في مصداقية المضمون والشكل السينمائيين، بمعزل عن جودة الأفلام فهذه مسألة أخرى، يمكن اختصار غزة في أربعة أفلام منحت القطاع صوتاً وصورةً وثيقين ومستحَقّين، “حتى إشعار آخر” و”حيفا” لمشهراوي، و”ديجراديه” و”غزة مونامور” للأخوين ناصر. أما الفيلم الأخير، وكان بداية العقد الثالث من الألفية، فقط صوّر الشخصية الغزّية بحالتها الإنسانية الهشّة، في تفاصيل مشاعرية وحميمة ضمن قطاع محاصَر خارجياً وداخلياً، في قصة حب لكهلَين.

إلى حينه، يختمُ حضورَ القطاع فيلم “أسبوع غزاوي” الذي يصوّر محاولات امرأة إسرائيلية وصديقها الهرب والخروج من القطاع. لا يكتفي الفيلم بالابتذال الفني والسردي، بل يصل حدَّ الإساءة إلى القطاع ومكانته.

في هذه الأفلام الروائية الطويلة حضرت غزة كموقع أساسي لا ثانوي، أما الوثائقية ففيها وفرة، ببساطة لأن الوثائقي في الحالة الفلسطينية يرتكز على المآسي الجمعية، والقطاع مزدحم بذلك، من فيلم مصطفى أبو علي “مشاهد من الاحتلال في غزة” بدايات العمل السينمائي في السبعينيات، إلى أيامنا هذه. وعلى مختلف أشكال هذه الأفلام، سينمائية وتلفزيونية. في حين تتركّز الأفلام الروائية عموماً على القصص الفردية، وذلك بنسبٍ متفاوتة في الحالتين.

أما الأسباب المتقاطعة في غياب القطاع منذ العام ٢٠٠٠ إلى اليوم، في لائحة طويلة من الأفلام الروائية الفلسطينية التي لم يحضر القطاع فيها سوى في القليل المذكور هنا، فهو سطوة باقي المناطق الفلسطينية، مدن الضفة تحديداً، بصفتها الموقع السينمائي الفلسطيني، تابعةً “شرعيَّتها” كموقع سياسي معترَف به، ويتكرّس ذلك بالتراكم، ككرة الثلج، لتتهمّش غزة أكثر، بتناقض فاضح مع حالتها ضمن الواقع الفلسطيني. فلسطين هي الضفة الغربية ورام الله في مركزها، هذا ما أراده العالم، السينمائي والسياسي، وهذا ما انحازت إليه أفلامنا.

لمَ لم نرَ فيلماً، بعد، عن قصصٍ لأفراد، ما بعد حربٍ أو قصفٍ أو غيره في غزة، أو حتى في حالات الهدَن ما بين الحروب عليها؟ لمَ تتركّز الأفلام في رام الله، عاصمة السلطة الفلسطينية؟ وإن صوّرت مناطقَ أخرى كالقدس وحيفا وغيرهما، تبقى حائمة حول رام الله التي تصرّ على الحضور بأي شكل إن لم تكن موقعاً أساسياً للأحداث، كأن “الشرعية الوطنية” للفيلم، أو سمته الفلسطينية، تأتي من عاصمة السلطة، كأن فلسطينية المكان والشخصيات لا تأتي سوى من هناك، المدينة الآمنة لضرورات جيوسياسية. هو الموقع الذي سمح به العالم ليكون “المكانَ الفلسطيني”، وما دونه “مناطق نزاع”. نسمع ذلك في المؤتمرات الأممية والدولية ونشاهده، آسفين، في السينما الفلسطينية.

فلتكن غزة، لمكانتها في التاريخ والراهن الفلسطينيين، موقعاً مستحَقّاً للسينما الفلسطينية. يمكن أن يَخرج القطاع الذي عاش ويعيش حالةً من أشدّ تراجيديّات الفلسطينيين، بقصصٍ وشخصيات فيها كل المبّررات والمحفّزات لسيناريو وتصوير يسعى لمثيلاتها السينمائيون في العالم، هناك حيث تتكدّس القصص والمآسي. من هناك تخرج كبرى التراجيديات. هذا ما تجاهلته السينما الفلسطينية لربع قرن. هذا ما يتوجّب، اليوم، على هذه السينما أن تبحث عنه، تعويضاً لأعوام طويلة من التهميش.

حضور غزّة وغيابها في السينما الفلسطينية

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.