1
اكتب تعليقُا

تمثيلات المقاومة وخيباتها في السينما الفلسطينية

لا يمكن للقارئ في تاريخ السينما الفلسطينية وراهنِها إلا أن تنتابه خيبة ما، من نسبة حضور المقاومة، كفعلٍ مباشِر ومنظَّم، ومن طبيعة هذا الحضور. بتتبّع مسيرة هذه السينما، لا يجد أحدنا سوى فيلمين حيث تكون المقاومة بشخصيةٍ رئيسية وبصورةٍ إيجابية.

سينما الفلسطينيين انعكاس لتاريخهم السياسي، ولهذا الأخير مراحل تنقطع عن بعضها بقدر ما تودي إحداها إلى الأخرى. كانت الأفلام الروائية مثلاً، في السبعينيات، والحديث عن أفلام ثلاثة أساسية، “المخدوعون” لتوفيق صالح و”كفر قاسم” لبرهان علوية و”عائد إلى حيفا” لقاسم حول، متضمّنةً في قصصها وشخصياتها حالات ثورية عكست شكل المقاومة في حينه، في زمن الفدائيين والثورة الفلسطينية المسلحة، وإن كانت بإشارات سريعة لشخصيات ثانوية، الأستاذ الذي قاوم في معارك النكبة، ثم دقُّ جدران الخزان في الفيلم الأول. الشيوعيون والقوميون، والبوادر الثورية في نهاية الثاني. انضمام الابن إلى الفدائيين في نهاية الثالث. لكن، في الأفلام الثلاثة، لم تحضر المقاومة كموضوع رئيسي للفيلم. كانت هامشاً.

في الأفلام السابقة، كان الحضور السريع للمقاومة ثورياً، تبعاً للحالة التي عاشتها الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك. في المرحلة التالية، الثمانينيات والتسعينيات، وتحديداً منذ أفول الثورة إلى اندلاع الانتفاضة الثانية، انقسمت المقاومة في “عرس الجليل” لميشيل خليفي، إلى عفوية جماهيرية غير مباشِرة ولا منظَّمة، وإلى حضور خفيف في شخصيات ثانوية رافضة لدعوة الحاكم العسكري إلى العرس، محاولةً تدبير أسلحة بدائية كالسكاكين، ثمّ بمشاهد أخيرة أخرجت فيه الجماهير، بشكل أقرب إلى الهتاف والغناء، الحاكمَ العسكري ومُرافقيه من العرس.

أفلام التسعينيات اتّخذت منحى آخر. ففي وقت كان فيلم خليفي مزامناً للانتفاضة الأولى، في زمن المقاومة الجماهيرية غير المسلحة، ظهرت في التسعينيات، مع اتفاقيات أوسلو ورداً عليها، شكلاً جديداً للمقاومة ضمن الحركة الوطنية الفلسطينية، أقل ظهوراً وأكثر تخفّياً، بتسليحات ناريّة خفيفة، وأساليب انتقالية ما بين الجماهيري للانتفاضة الأولى، والمسلح السرّي والتنظيمي للانتفاضة الثانية. فحضرت المقاومة في أفلام التسعينيات بشخصيات ثانوية كذلك، لكن متخفّية وسرّية وملاحَقة، منتمية لتنظيماتٍ وطنية علمانية، تخفِّيها وثانويَّتها جعلاها هامشية كما في فيلمَي “حتى إشعار آخر” و”حيفا” لرشيد مشهراوي. فلا مكانة درامية لها في الفيلم، فكانت الشخصيات إشاراتٍ موضوعية سياقية لا بد منها، انعكاساً وثيقاً للمجتمع في الضفة والقطاع آنذاك.

مع العام ألفين، في المرحلة التالية للسينما الفلسطينية، ومع بروز الطابع الإسلامي للمقاومة كحالة جديدة تدرّجت في التسعينيات وطغت لاحقاً، عكست السينما هذا الطابع وإن في تجربة وحيدة، وباكرة، كانت في فيلم هاني أبو أسعد “الجنة الآن”، وكانت المقاومة هنا محرّضاً أساسياً للشخصيتين الرئيسيتين في التجنّد والإقدام على عملية انتحارية بعد البطالة واليأس والرغبة في تطهير سيرة الأب العميل. المقاومة تقع في مركز الفيلم الذي قدّمها بصفتها حدثاً إخبارياً مرافقاً لانتفاضة الأقصى، ما ضيّق على القيمة الفنّية المستدامة المفترَضة للفيلم.

ليس الحديث في هذه الأسطر عن أساليب سالبة للمقاومة، أي بالصمود أو الإضراب أو حتى المواجهة المدنيّة مع سياسات الاحتلال وسلوكه، بل عن المقاومة بصفتها عملاً واعياً لذاته متقصّداً لعمليّاته، ضمن جماعة أكبر هي فصيل فلسطيني له جوانب فكرية وسياسية وجماهيرية. هذه الظاهرة، الشخصية المقاوِمة، حاضرة في الواقع الفلسطيني إنّما مهمَّشة في سينماه، وهذه واحدة من الخيبات الأولى والمتواصلة في كيفية تصوير هذه السينما للشخصية الفلسطينية. فعلى طول العقد الأول من الألفية، لا نجد سوى فيلم أبو أسعد يصوّر المقاومة كموضوع رئيسي، وكانت من زاوية نظر مسيئة نسبياً، إضافة إلى جزءٍ من “الزمن الباقي” لإيليا سليمان، في تصوير لمقاومين، أو مجاهدين، في زمن النكبة.

من بعده، وفي العقد التالي، صوّرت آن ماري جاسر  المقاومة في “لمّا شفتك” بشخصية رئيسية غير محوريّة، لكن كذلك بسياق تاريخي للفيلم، فالمقاوم هنا كان الفدائي في السبعينيات، وحضرت مَشاهد المقاومة في حينه، الكفاح المسلح، كما لم تحضر في السينما الفلسطينية، ناقلةً تفاصيل يومية من معسكرات الفدائيين. بعدها يعود أبو أسعد إلى تصوير المقاومة في فيلمه “عمر”، مستعيداً كذلك المقاومةَ ضمن شخصيات رئيسية، إنّما، مواصلاً ما بدأه في فيلمه السابق، ضمن سياق العمالة مع الاحتلال، فالمقاومة هنا محاطة بالعمالة والخداع والخيانة.

في صورة إيجابية للشخصية المقاومة، وراهنة كذلك، نادرة في السينما الفلسطينية، صوّرت نجوى نجّار المقاومة والبطولة الفردية ضمن شخصية رئيسية هي قنّاصٌ محترف، مستمِدةً القصة من أحداث حقيقية جرت خلال الانتفاضة الثانية، حيث يصطاد القنّاصُ الجنود الإسرائيليين ليكون بطلاً مجهولاً عند شعبه، ثم يفلت ويتخفى. هنا، نرى صورة المقاوِم في أفضل حالاته ضمن هذه السينما، ما لن تتكرّر سوى لاحقاً بآخر أفلام هذه اللائحة.

خلال العقد، ظهرت حالة المقاوَمة، لا الشخصية المقاوِمة، بأشكالٍ تسطيحيّة ومبتذَلة كما في “كتابة على الثلج” لرشيد مشهراوي، و”التقارير حول سارة وسليم” لمؤيد عليان، و”ديجراديه” للأخوين ناصر. لم تكن للمقاوِم شخصيةٌ تُجري حواراتٍ هنا، بل تبقى الشخصيةُ في الظلّ محيطة بمجريات الفيلم، وبنسبٍ متفاوتة، إنّما في صورتها السلبية المنفّرة.

في العقد الحالي، ظهرت المقاومة في واحدة من أسوأ تمثيلاتها سينمائياً، في “صالون هدى” لأبو أسعد كذلك، والفيلم يكمل ما أسميتُه سابقاً بـ “ثلاثية العمالة”، فالمقاومة هنا تداهم وتخطف وتهدد وتحرق وتقتل. تلاه واحد من أشد أفلام هذه السينما سطحية، “أسبوع غزاوي” لباسل خليل، وفيه بانت المقاومة ضمن سياق الفيلم، أشبه بكاريكاتير تهريجي. أما آخر الأفلام الفلسطينية إلى حينه، إلى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، فهو “الأستاذ” لفرح نابلسي، وفيه استعادة للبطل الإيجابي، المقاوِم المنظَّم والواعي، كما بان في “عيون الحرامية”، إنّما في ما كان أشد حالات المقاومة احترافاً، في هذه السينما، وضمن الشخصية الرئيسية والقصة المركزية للفيلم. المقاوم هنا يخطّط ويخطف. الشخصية الرئيسية هنا كانت الأكثر إيجابية، بصفتها بطلاً درامياً، في مسيرة السينما الفلسطينية.

باستثناء “باب الشمس” ليسري نصرالله، والذي يتّخذ مجاهداً في النكبة ثم فدائياً في الثورة، بطلاً رئيسياً لكن ضمن تعقيدات الحكاية والسياق، في فيلم عربيّ بقدر ما هو فلسطيني، لا نجد ضمن لائحة طويلة من الأفلام الروائية الفلسطينية، الشخصيةَ الرئيسية المقاوِمة الراهنة بصورتها الإيجابية سوى في فيلمين، “عيون الحرامية” و”الأستاذ”. والفيلمان بالمناسبة لم يشاركا في مهرجانات أوروبية رئيسية، وكلاهما أصنّفُه، لمسوّغات سردية وفنية، ضمن المجموعة الأفضل في تلك اللائحة الطويلة.

أمّا السبب الأساسي لهذا الغياب، أو للحضور السلبي أو المسيئ، فيعود إلى ارتهان هذه السينما، بمعظمها، إلى توقّعات ورغبات وشروط المموّل الغربي، الأوروبي تحديداً بصفته منتجاً وموزّعاً أساسياً للسينما الفلسطينية، فلا يُنظر إلى الفيلم بصفةٍ فنية ودرامية إلا بتخطّيه امتحانَ الصفة السياسية. إن مرّ الفيلم امتحانَه السياسي لدى الممتحِن الأوروبي، يمكن النظر فيه فنياً.

هذه العلاقة الدونية تجاه المموّل صاحب القرار، هي ما جعلت معظم هذه السينما يرتكز على قصص فردية ومآسٍ إنسانية تكتفي المقاومة فيها بشكلها السالب والمنكفئ والصامد، وهو ما يتقبّله المموّل الغربي قبل أن يليه المبرمجُ والمحكّمُ والجمهور، فعلى الفيلم الفلسطيني أن يمرّ من خلال عدّة طبقات أو فلاتر “بيضاء” للقبول، لنيل الرضى وإثبات حسن السلوك، ولا يكون ذلك بالمقاومة بل بالصمود، لا يكون بردّ الضربات بل بتلقّيها، لا يكون إلا بصفته، الفلسطيني، ضحيّة. فلسطين في السينما لا بد أن تبقى حالة إنسانية لا سياسية، قضية مستضعَفين صابرين لا متمرّدين. وهذا كلّه ما نراه اليوم في الغرب ذاته، الرافض لأي مقاومة تخرج من قطاع غزّة، والمتضامن مع أهل هذا القطاع المنكوب، فقط بصفته منكوباً، فقط بصفته ضحية تصرخ وتستغيث.

السينما الفلسطينية في عمومها تنسجم مع معايير المموّل الغربي أكثر مما تفعل مع الواقع الفلسطيني. للسياسة في هذه السينما وبحسبها، مدخل أساسي هو إنسانية الشخصيات في الخضوع لواقعها، لا مقاومتها لهذا الواقع وتحديداً بالسّلاح. لذلك، لا صورة إيجابية، متمرّدة وثوريّة، للمقاوم الفلسطيني معمَّمة في هذه السينما، صورة ترفض الشخصيةُ الرئيسية فيها دور الضحية. ولا تُحَل الخيبة المتراكمة وتُفكَّك إلا برفضٍ مبدئيّ فردي وجماعي من صنّاع الأفلام للمعايير الغربية، للشروط الأوروبية المتماهية مع السرديات الصهيونية لما يتوجّب أن تكون عليه الشخصية الفلسطينية. وهو اليوم، التماهي، في أشدّه فداحةً وفضاحة.

تمثيلات المقاومة في السينما الفلسطينية وخيباتها

This entry was posted in: 1

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.