في فيلمه القصير الجديد، أتت سينما بيدرو ألمودوفار بحالتها المكثفة، في جمالياتها البصرية تحديداً، إذ ابتعد المعلّم الإسباني، في سرده هنا، عن التقاطعات السردية التي تمتاز بها أفلامه، ليكون السرد خطياً كلاسيكياً، ففيلم لنصف ساعة، قد لا يحتمل اللعب على سرديات الحكاية وطبقاتها، ما حمل الفيلم إلى تكثيفٍ في بصريات هي مألوف لمُشاهد أفلام ألمودوفار، لكنها أتت هنا مركَّزة، وبمستوى جمالي مرفق بهشاشة الشخصيتين وقصتهما.
الفيلم القصير الذي عرض في مهرجان كان السينمائي الأخير، خارج المسابقة، نزل إلى الصالات الفرنسية أخيراً مع الفيلم السابق لألمودوفار، “الصوت الإنساني”، وهو قصير كذلك وعرض في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2020. وكان للعروض الفرنسية عنوان “تجربة ألمودوفار”.
الفيلم السابق كان التجربة الأولى لألمودوفار بالإنكليزية، الأخير كان كذلك بالإنكليزية، ليكون الفيلمان تجربة الفيلم القصير المركز في جمالياته وفي سياقات جديدة، للمخرج الإسباني المتميز بهويته البصرية والسردية في أفلامه التي طبعت السينما الإسبانية والأوروبية، بعوالم أشبه بالأحلام والفانتازمات في ألوانها وديكوراتها، وبقصصها شديدة الواقعية في أوجاع شخصياتها النفسية والجسدية. وحده ألمودوفار القادر على مواءمة هذه الجماليات بتلك الأوجاع. أما فيلمه الأخير (Strange Way of Life) فكان حالةً أخرى لهذه المواءمة، حيث تمرّ القساوة من خلال الانبهار.
في أجواء الوسترن الأمريكي في “طريقة غربية للعيش”، يعبر أحدهم الصحراء على حصانه للقاء صديق لم يره منذ 25 عاماً، الصديق حاكم للبلدة، والعابر أتى ليحكي في أمر ابنه المتهم بجريمة قتل. يلتقي الرجلان ويتناولان العشاء ويستعيدان علاقة مثلية كانت تجمعهما، يختلط فيها الحب بالصداقة بالجنس بالغدر والهجر. يلاحق الحاكم الأب والابن، يتواجه الثلاثة مصوّبين مسدساتهم على بعضهم البعض، قبل أن يجد العابر، من خلال احتمالاتٍ للتراجيديا لم تكتمل، طريقة للاجتماع مجدداً، ولو عنوةً، بحبيبه السابق، وإنقاذ ابنه.
قد يكون ألمودوفار الأشد حساسية ضمن السينمائيين المعاصرين، في تصوير النساء، العلاقات بينهن ومعهن، والجماليات البصرية والسردية التي تحمل العلاقات وشخصياتها إلى المشاهدين، كما أنه من الأكثر حساسية في أفلامه تجاه المثليين والمتحولين جنسياً، وعلى طول مسيرته، هنا، ارتكز على سيرته الفيلميّة الطويلة لاستحضار أحد أكثر الأنواع السينمائية ذكورية، وهو أفلام الوسترن، إلى عالمه، مطيّعاً هذا النوع ومروّضاً شخصياته، مفككاً الذكورية السينمائية في معقلها، بالإكثار، حيث يجب وكيف يجب، من هشاشيات شخصيات الذكور في الفيلم، محرراً إياها من إرث سينمائي طويل وراسخ، وعنيف، مسلّح هو الآخر بجمالياته العالية، من جون فورد إلى سيرجيو ليوني وآخرين معاصرين، معتمدين، هؤلاء، على الشخصية الذكورية، العنيفة شديدة البأس، لا تخطئ إصابةً وتهزم العشرات من حولها، وتنال النساء، في النهاية، كجوائز، باكتراثٍ ضئيل بهن.
بفيلمه القصير، أتاح ألمودوفار احتمالاً آخر، رواية أخرى للوسترن، برجال عاديين، كآخرين في أي زمن، لم تمنعهم مسدساتهم على خصورهم ولا قبعات رعاة البقر ولا مهارة امتطاء الأحصنة أو التصويب بالمسدسات، ولا قساوة الصحراء، بغبارها وصخورها ولهيبها، لم تمنعهم من هشاشة ورقة في دواخلهم تحمي الحب، أنى توجّه، ويقيه من قساوة العالم خارجه، وتكريساتٍ لسينما ساوت الذكورة بالبطولة، وكلاهما بتبعية نسائية تكون شخصياتها فيها ديكورات وملحقات بالرجال، تماماً كالمسدسات على خصورهم.
ألمودوفار الذي أعطى النساء المساحات الأولى والأعلى في أفلامه، فلأفلامه بطلات أولاً وثانياً ثم أبطال ملحقين بهن، حين أتى برجلين هنا، من دون امرأة، كان لكليهما رقّة النساء في باقي أفلامه وقوتهن. الشخصيات الألمودوفارية تكون على هيئة رجل هنا وامرأة هناك، وفي الحالتين تكون هشّة وضعيفة كما تتطلب إنسانيتها، جميلة وقوية كما تتطلب سينمائيتها، بمعزل عن جنسها.
في هذا الفيلم ندرك أن لألمودوفار لا شخصياته النسائية وحسب، بل شخصياته المُحبّة والجميلة والرقيقة، ويمكن لها أن تكون رجالاً، ممتلئين بالحب ومفرَّغين من ذكورّيتهم، وإن استُحضروا في سياقٍ هو الأشد ذكورية في تاريخ السينما، الوسترن ورعاة بقره الذين لا يخطؤون هدفاً.
