ليس ترميم فيلم المصري يسري نصرالله “باب الشمس” حدثاً سينمائياً عربياً وحسب، هو بالقدر ذاته حدث سينمائي فلسطيني خاص، للمكانة التي يشغلها الفيلم في عموم المسيرة السينمائية لهذا الشعب، وهي مسيرة تخللتها بل ساهمت في تأسيسها، أفلام عربية في صناعتها، إخراجاً وكتابةً وتمثيلاً وإنتاجاً. هي عربية تماماً كما هو حال “باب الشمس”، وهي، بانتمائها للقضية، فلسطينية تماماً، فالفنون الفلسطينية، كما كانت دائماً، تتخطى الفلسطينيين. أما مكانة الفيلم في عموم المسيرة هذه، فهي في كونه الأفضل شكلاً ومضموناً باعتباره عملاً سينمائياً متكاملاً، وهو، فوق ذلك، ملحمي. وإن كان ذلك يعود إلى حِرفية نصرالله السينمائية، فهو يعود بالدرجة ذاتها إلى الحرفية الأدبية والفكرية والسياسية لالياس خوري، مؤلف الرواية التي أُخذ الفيلم عنها.
باطلاع متعجل أو متأنٍّ على مسيرة السينما الفلسطينية، سيكون “باب الشمس” أشدها إحكاماً ونضجاً، كتابة وتصويراً وإدارةً، وأكثرها جدية، وجرأة لموضوعه الذي امتدّ منذ ما قبل النكبة إلى ما بعد أوسلو. كل هذا وغيره، يجعل من مناسبة ترميم الفيلم فلسطينيةً تماماً تستحق استحداث مناسبات لعروض خاصة مساهمة في الإبقاء على حيوية التفاعل مع الفيلم، واستجابة لعملية الترميم بالأساس.
قام مهرجان لوكارنو السينمائي بعملية الترميم من خلال “مشروع التراث الرقمي”، لتوجد نسخة رقمية (4K) خالية من الخدوش وصافية الألوان وعالية الدقّة، صوتاً وصورة، ثم: سهولة تداولها أولاً وبالتالي عرضها في الصالات الحديثة التي لم تعد تعرض نسخاً فيلمية قديمة (35 ملم)، والحفاظ على الفيلم من خلالها ثانياً، باستبعاد واقع النُّسخ المعدودة والقابلة للتلف وبالتالي احتمال ضياع الفيلم، خاصة أن شركة الإنتاج الفرنسية له قد أفلست (للفرنسي أمبير بالزان). وقد عرض المهرجانُ الفيلم في دورته الـ 76، في 7 و 10 من آب\أغسطس 2023، ضمن تظاهرة “تاريخ السينما: التراث الرقمي”.
الفيلم الطويل بجزأيه، (278 د.) والمصوّر في سوريا ولبنان على طول سنة كاملة (السيناريو لنصرالله وخوري، ومحمد سويد)، يحكي من خلال قصّتَي حب، تاريخاً للشعب الفلسطيني خلال نصف قرن تخلّلتها النكبة والثورة والمجازر والانتفاضة والاتفاقيات، مستمدة من شمولية العمل الروائي لالياس خوري وقد أصدرها، عن دار الآداب، بمناسبة مرور نصف قرن على النكبة الفلسطينية (1998). يليه الفيلم عام 2004 في عزّ خيبة فلسطينية إثر المآسي التي لحقت بالانتفاضة الثانية والاتفاقيات التي وقّعتها السلطة الفلسطينية من بعدها، واقتتال “فتح/حماس” بعدها بقليل. خلال هذه السلسلة من الخيبات، وجزء منها سينمائي سآتي عليه، خرج الفيلم إلى العالم من خلال مهرجان كان السينمائي، ضمن التشكيلة الرسمية وخارج المسابقة.
لنترك الخيبة السياسية والوطنية جانباً هنا، وندخل في خيبة سينمائية فلسطينية بدأت تتّخذ مسارها مع العقد الأول من الألفية، أي بالتزامن مع خروج الفيلم. وهي نمطية محدّدة رسّمت السينما الفلسطينية مع العقد الأول وتكرّست مع الثاني وحتى اليوم مع العقد الثالث، وأصابت الشخصية السينمائية الفلسطينية وقصّتها، وتصويرها.
بعد مرحلتين تجريبيّتين ومبتورتين لكن أقوى وأجمل، دخلت السينما الفلسطينية مرحلة جديدة مع العام ألفين، عناصرها الأساسية هي إنشاءات الاحتلال الاسمنتية، الحاجز والسجن، وتدريجياً الجدار الذي صار حضوره ضرورة في هذه السينما، بمبرّر أو بدونه. مع أفلام هاني أبو أسعد وإيليا سليمان وآن ماري جاسر ونجوى نجّار في هذا العقد، تأسّست دلالات وترسّمت لهذه السينما، لحقهم آخرون وبقوا هم (باستثناء جاسر وسليمان) في تنميط هذه الإنشاءات واستحداث ضرورة مفتعَلة تحتّم وجودها، إما مروراً بها أو استحضاراً لها مراراً على طول الفيلم.
مسار مختلف لهذه السينما كان يمكن أن يفتتحها “باب الشمس” بعيداً عن التنميطات المذكورة، أو للدقة أقول “يستأنفها” لا “يفتتحها”، فالفيلم يواصل منحى سينمائياً كان أوّل ما بدأت به السينما الروائية الفلسطينية، أي التنويع في السياقات والمواضيع، والاعتماد على الأعمال الأدبية والبحثية للخروج بنصٍّ محكَم للعمل السينمائي، والمقصود هنا “المخدوعون” لتوفيق صالح و”كفر قاسم” لبرهان علوية و”عائد إلى حيفا” لقاسم حول. الأعمال الثلاثة عربية بالمعنى الشامل، المخرجون مصري ولبناني وعراقي، الإنتاج سوري ولبناني وفلسطيني (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، الممثلون سوريون، أما التقنيات واللوجستيات فهي عربية تماماً. وهي أعمال مبنية على روايتَي كنفاني “رجال في الشمس” و”عائد إلى حيفا”، وشهادات وبحوث حول مجزرة كفر قاسم.
الوريث لهذا الغنى في السينما كتابةً وصناعة كان “باب الشمس” الذي أمكن له أن يستأنف طريقاً للسينما الفلسطينية يتأسس على النصوص الأدبية، وهي كثيرة، والجيد منها ليس قليلاً، وصالحة للنقل السينمائي، الأصلح ضمنها قد تكون روايات إبراهيم نصرالله، لسلاسة السردية وصوريّة الحكاية فيها، وغنى التفاصيل الصالحة لملئ الكادرات السينمائية، وتنوّعها زمانياً ومكانياً، ما يزيد من غنى الحكاية.
لا تنحصر أهمية فيلم “باب الشمس” في ذاته، بل في إنتاجه ضمن مرحلة زمانية خائبة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وضمن مرحلة انتبهنا لاحقاً إلى أنها كانت تأسيسية لنمطية علقت بها عموم السينما الفلسطينية فكانت خيبةً أخرى، وفي إمكانية لاتزال مفتوحة، في أن يستأنف الفيلمُ طريقاً آخر لهذه السينما تُخرجه فيه من أسرها ضمن إنشاءات الاحتلال، والخلل المسيطر والمريع في عموم سيناريوهاتها الرّاكدة على السطح من موضوعها.
استحداث نسخة مرمَّمة يكون بمثابة العثور على فيلم مفقود، هذا هو حال “باب الشمس”، الفيلم الأفضل في مسيرة السينما الفلسطينية، وهذا مستحّق الاحتفاء في مناسبة سينمائية غير فلسطينية كما فعل مهرجان لوكارنو السويسري العريق، كما في أي مناسبة فلسطينية، سينمائية كانت أم غير سينمائية.
