ترتكز أفلام الفرنسية كاترين بريّا على العلاقات الحميمة بأشكالها المحرّمة، بلقاءات أولى لعلاقة جنسية لا يجب أن تكتمل، بالمعنى الأخلاقي العام والمشترَك، وليس بالمعنى السردي، إذ أن إشكالات وربما مآسٍ شخصية ستتطور نتيجة لتلك العلاقات، في كونا عنصراً سردياً يبنى عليها الفيلم. هي مبعث ذلك البناء، هي مبرّر الفيلم في النهاية، وبخلافها ستكون الحبكة رتيبة لا طلعات فيها ولا نزلات.
من البداية إذن، ندرك أنّ محرّمات اجتماعية تدور أمامنا على الشاشة، وأن لذلك تبعات ستواجهها الشخصيات. هذا في عموم الأفلام لهذه المخرجة الباحثة بشكل خاص في أسئلة ما هو المحرّم ولمَ يكون كذلك إن تراضى الطرفان، إن كان الحب متبادَلاً وعلى سوية تسمح له بتخطي ما يمكن أن يحول دون تحقيقه اجتماعياً. هنا تنشأ أسئلة أخلاقية تجاه الشخصيات، هل يحق للمرأة مثلاً أن تقيم علاقة مع مراهق هو ابن زوجها، في وقت لا تبدو العلاقة الزوجية في أزمة، ولا تتبيّن أمام المُشاهد أي مبررات لانزياحٍ في المشاعر أو الرغبات لدى المرأة؟
لا يطرح الفيلمُ المسألة بشكلها الأخلاقي، بل يقدمها كرغبة لدى امرأة عاملة، محامية لها شأنها في مهنتها، في علاقة جنسية مع مراهق بالكاد يدرك ما يشعر به تجاهها. نحن هنا أمام علاقة فيها نوع من استغلال تشوّش مراهق في مشاعره ورغباته، وأمام أن يكون ذلك لامرأة متزوجة، وتحديداً في أن يكون المراهق هذا ابن الزوج من زواج سابق. هذا كله لا يأتي هنا كمسألة أخلاقية تتطلب حكماً سهلاً من بعيد، بل أتى كمسألة إنسانية تحضر هنا أو هناك، بعناصر أقل أو أكثر، لكنها تنغمس في المشاعر والرغبات لدى أحدنا، وفي واحدة من تركيباتها وتعقيداتها التي تجعل من العلاقة الخارجية، أو الخيانة (إن استخدمنا مفردة مألوفة) حالة تشابك وتقاطع لا يكون الخروج منها بكلمتين سهلتين. أيهما المدان هنا، المرأة أم الفتى؟ولم لا يكون الزوج أحد المدانين؟ وهل من معنى لإدانة واحد من الاثنين أو الثلاثة، أصلاً؟ فيلم بعقدة متشابكة كهذه، متخطية حدوداً يظن الرأي العام للمجتمع أنها محرّمة، فيلم كهذا، أحسن في تقديم أسئلة، في الاكتفاء بذلك، لأن الحكم أو الإجابة هنا ستكون سؤالاً آخر في تفصيل آخر. لا نهاية مكتملة وواضحة في حالة كهذه. لا أجوبة تامة في تعقيدات المشاعر والرغبات الإنسانية.
في الفيلم، يزور ابن الزوج، المراهق، العائلة لإجازة الصيف. الانطباع الأول للزوجة حالما تراه كان بأنه كبر. لم يريانه منذ زمن وقد استقل الولد عن أهله. لا أصدقاء له ومزاجه صعب ولا احترام يكنّه للآخرين، لوالده والزوجة تحديداً. لا تكون العلاقة بينه وبين زوجة أبيه جيدة، تصل حد سرقته من جزدانها. تنتقل العلاقة لتتحول إلى انجذاب جنسي، المندفع فيه كان الفتى، فلم تكن المرأة متحرشة بمراهق. قلب الأدوار عن المتوقّع والشائع يُخرج الفيلم من مسألة غير مرغوب بها، كالتحرش، في سردية فيلم كهذا، يمكن لها أن تشوش عليه وتُدخل المُشاهد أكثر في المسألة الإنسانية المتشابكة حيث لا بد من تحييد الحكم الأخلاقي فيها.
لسنا هنا أمام علاقة تتطلب حكماً أو إجابات، بل أمام معضلة في العلاقات الإنسانية والرغبات غير المكبوتة، التي يستجيب لها صاحبها، الزوجة تحديداً. وطرح المعضلة لا يعني أن حلاً لا بد له أن يقابلها. الفيلم مثال ممتاز على مدى تعقيد مسائل كالرغبات والمشاعر، وعلى ضرورة تحييد الأحكام الأخلاقية، وعلى إعادة تعريف معنى الخيانة.
هذه المسائل الأخيرة، نجدها في أكثر من فيلم للمخرجة الفرنسية، وإن أتى أشدها تعقيداً في فيلمها الأخير (L’été dernier)، المنافس في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي هذا العام. ففي فيلمها “فتاة بدينة” (2001) تكتشف طفلة جسدَها ورغباتها الجنسية، ببراءة مرحلتها وعفويتها. في فيلم “لقاء عابر” (2001) شاب وامرأة تزيده سنّاً بشكل ملحوظ، يمضيان ليلة في سفينة. وفي فيلم “الجنس كوميديا” (2002)، ممثل وممثلة يبغضان بعضهما فيصعب الانتهاء من مشهد جنسي بينهما في فيلم. في “عشيقة مسنّة” (2007) علاقة تقوم بين شاب فاسق وامرأة فاضلة تكبره سنّاً كما في معظم أفلام المخرجة، في مجتمع أرستقراطي فرنسي. وغيرها من المواضيع المبنية أساساً على المحرّمات أو المكروهات في العلاقات الجنسية والعاطفية، وإن تركتها المخرجة لسنوات قبل أن تعود بفيلمها الأخير، إلى موضوعها الذي كوّنت من خلاله مسيرتها السينمائية.
«الصيف الفائت» للفرنسية كاترين بريّا: تعقيدات الرغبات والمشاعر
