1, الأولى
اكتب تعليقُا

“ممرات”… ارتباكات العلاقات وسلاسة نقلها

تكثر الأفلام المتناولة لتعقيدات العلاقات فيما تحبّ تقديمات الموزعين وكتابات النقّاد تسميتها بالعلاقة الثلاثية، بمعزل عن طبيعة العلاقات الماثلة بين ثلاثة شخصيات في الفيلم، وهو ما لا يصح القول فيها إنها ثلاثية، كأن تنهي امرأة علاقة بأحدهم لتبدأ بأخرى، تكون مع رجل أو امرأة، تكون أو يكون على علاقة ما مع الأول، ومنفصلة في طبيعتها عن العلاقة ما بين الأول والمرأة. السينما الأوروبية تخوض جيداً في مواضيع كهذه.

هنا، في فيلم “ممرات”، لسنا أمام علاقة ثلاثية يسهل إيجاد أمثلة لها في أفلام أوروبية تحديداً، بل أمام تشابك علاقتين من خلال طرف واحد يبدأ بالثانية قبل أن ينهي الأولى، من دون حسم أمره في الاستمرار في الأولى أم الإنهاء القطعي للثانية. وهو ما يمكن أن يوضح معنى العنوان “ممرات”، كأن علاقات الحب ممرات بينها وبين بعضها، كأن العلاقات بذلك لا تكون عفوية إلا بقدر ما تكون بإمكانيات مفتوحة على أخرى تمر الشخصيات فيما بينها. في الفيلم تعريف قلق للحب وعلاقاته، وهذا القلق وطأَ مناطق يظن البعض أنها آمنة من الإمكانيات المفتوحة، آمنة من رغبات العبور كما نراها في الشخصيات، وتحديداً الشخصية الرئيسية للفيلم، توماس.

فيلم الأمريكي إيرا ساتش (Passages)، يتمحور حول الاضطرابات التي يعيشها توماس في علاقته التي فاقت عشرة أعوام، مع حبيبه، مارتن، والتي تظهر ارتباكاتها من المشهد الأول حين يرفض الأخير الرقص مع الأول بسبب التعب، فتقول امرأة مجانبة لهما على البار وبعد تنبّهها إلى مثليّة الصديقين، إنها سترقص معه، وتفعل.

يتطور الفيلم على طول ارتباكات عاطفية ونفسية وجنسية لدى توماس الذي صارح حبيبه بليلته وممارسته الحب مع امرأة سببت له شعوراً جديداً واكتشتافياً، لتبدأ هنا العلاقة الأولى بالتدهور والثانية بالتكوّن، تتطور الحالات والأحداث ويبقى توماس غير متيقن مما يريده. لكن، مما يقوله ويرغب به كما يظهر، يريد علاقة ثلاثية فعلية بينهما وبين أغاتا. العلاقة الثلاثية بشكلها النموذجي هي ما لا يناسب مارتن ولا أغاتا، فكل منهما يريد علاقة ثنائية أشد استقراراً مع مارتن الذي أودى بارتباكاته وتردداته إلى التعقيدات التي طالت الثلاثة، خاصة أن أغاتا صارت تحمل طفله في أحشائها، وقابلته بوالديها.

الأحداث كانت في زمننا وفي مدينة باريس وبانفتاح على الهويات، مارتن الإنكليزي وتوماس الألماني وأغاتا الفرنسية، وفوقها، يقيم مارتن علاقة مع فرنسي أسود اسمه أحمد، سرعان ما تنهار بإلحاح توماس المرتبك، على صاحبه السابق، وزياراته المتكررة له.

الفيلم الذي شارك في مهرجان برلين السينمائي هذا العام، في تظاهرة بانوراما، هو فيلم سينما أمريكية مستقلة بموضوعه ومقاربته وأسلوبه، هو أقرب بذلك إلى فيلم أوروبي حمل صاحبه إلى تصوير القصة في باريس وبثلاث شخصيات أوروبية، ما يسمح بهذا التنوع والانفتاح الحاملين للقصة إلى عالم واقعي، وهو غير بعيد عن سينما المُخرج المعنية بالعلاقات وتوتراتها، المثلية منها تحديداً.

لم ينقل الفيلم هذه التشابكات بدراما حدثيّة او لحظة يكون ما بعدها غير ما قبلها، رغم إمكانية ذلك، لكن انسيابية السرد والتصوير أوصلت رقّة ما في الحوارات، حتى في إخبار توماس لمارتن عن علاقته بأغاتا، ثم إخباره بأنها تحمل طفله، ثم، ببساطة، الاقتراح عليه إنشاء العلاقة الثلاثية معها، لأنهما أرادا على طول علاقتهما الطويلة، طفلاً لهما. كان يمكن للمخرج أن يذهب أكثر في الخيار الأمريكي وإن “المستقل”، في رسم نقطة انعطافية تتغير عندها العلاقات والحوارات، نقطة حدثيّة، لكن خياره كان أكثر أوروبياً سينمائياً، في نقل المشاعر والارتباكات بسلاسة حواراتيّة من دون صدمات يتفرّج عليها أحدنا. هي سلاسة للاستيعاب لا للتفرّج.

فيلم «ممرات»: ارتباكات العلاقات وسلاسة نقلها

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.