1, الأولى
اكتب تعليقُا

“نجوم في الظهيرة” لكلير دوني… التفاف الفيلم على بطلته

أخرجت الفرنسية كلير دوني العام الماضي فيلمين، واحد في مهرجان برلين السينمائي نالت عنه جائزة أفضل إخراج، هو “مع الحب والشراسة”، نزل إلى الصالات الفرنسية وتناولتُه في مقالة وقتها (“القدس العربي 4/10/ 2022). الثاني في مهرجان كان السينمائي العام الماضي، ونالت عنه الجائزة الكبرى، هو “نجوم في الظهيرة”. وقد يكون التوزيع سبباً في انتظار الثاني، موضوعنا هنا، لعام كامل كي ينزل إلى الصالات الفرنسية.

هي حالة نادرة أن يَخرج سينمائي مميّز بفيلمين في عام واحد وينال جائزتين أساسيتين في كبرى المهرجانات السينمائية، برلين وكان. هو حال الفرنسية الاستثنائية في أفلامها، كلير دوني، المعنيّة أساساً في تشابكات العلاقات الشخصية والحميمية، في حالات تجمع بين التعقيد والعادية، كما في الفيلمين. ولم ينحصر إنجاز كلير دوني العام الماضي بالفيلمين والجائزتين، بل امتد إلى ما هو أكثر استدامة وتأثيراً، في القفزة التي حققها فيلمها “عملٌ جيّد” (1999) في لائحة “أعظم مئة فيلم في التاريخ” التي تعلنها مجلة “سايت آند ساوند” البريطانية كل عشر سنوات، إلى المرتبة السابعة آتياً من الثامنة والسبعين.

في نيكاراغوا وفي زمن كوفيد، صحافية أمريكية تلتقي بشاب بريطاني وصل مع شركة بترول، في محاولاتها لإيجاد طريقة للخروج والعودة إلى بلادها، من دون أن نعرف تماماً سبب مصادرة جواز سفرها من قبل أحدهم. يعيشان مغامرة هروب ممن لا يُعرف إن كانوا عصابة أم مخابرات لدول أجنبية. وتتطور الأحداث في رحلة عالقة بين أمكنة محدودة في المدينة الخالية. الفيلم، مع أجوائه الضبابية في سرده وغموض الشخصيات فيه، يحوم تماماً حول بطلته، بالكاد تغادرها الكاميرا، نرافقها في تجوالها آخر الليلة أو أول النهار، في طرقات المدينة المتقشفة في أبنيتها والمقلة في أناسها.

بلقطات أقرب إلى الكادرات الثابتة لصور تكون مركزها الفتاة، أبنية وفنادق وغرف ومطاعم وممرات وغيرها من العناصر المالئة للصور، تنتصفها الفتاة التي لا تهدأ، لا في كلامها ولا في حركاتها. كانت كلها جماليات بصرية مضافة إلى غموض ما يحصل، كأنها تشويش جمالي على المعلومات الناقصة التي تصل المُشاهد. كأنها، المعلومات، تطلّبت النقصان لتكون الشخصيات، والقصة التي يدور الجميع في فلكها، لغاية إبراز الفتاة، المسيطرة بشخصيتها على كل ما حولها ومَن حولها. كأن التشويش البصري لجماليات الصورة على طول الفيلم، كان لبقعة بؤرية واحدة داخل الكادر مسلط على امرأة مغامرة وغريبة ومشاغبة.

الفيلم (Stars at Noon) أحاط الفتاة بعناصر سياقية أدت بتشوّشاتها إلى تسليط أكبر للضوء عليها، وتضييق لبؤرته لتسع الفتاة وحدها. فنحن لا نعرف إن كانت فعلاً صحافية أم أنها تكتب بالقطعة لمجلة متخصصة بالرحلات والإجازات. ولا نعرف إن كانت تعمل بائعة هوى أن أنها وحسب تطالب بالمال مقابل ممارسة الجنس لحاجتها له، ولا نعرف أي علاقة لهذا وذلك بمصادرة أحدهم جواز سفرها، ومن هو هذا المجهول؟ ثم هي تصاحب بريطانياً لا نعرف إن كان تعلقها به عاطفياً أم جنسياً أم حقيقياً أم بحثاً منها عمّن يخرجها من البلد، ولا نعرف إن كان هو فعلاً صادقاً بتعريفه عن نفسه، وقد كذب عليها في أن لا مسدس لديه، ثم لماذا المسدس ولماذا تلاحقه مخابرات بوليفية وأمريكية؟ والشخصيات المحيطة الأبعد كانت أكثر غموضاً، كانت وظيفتها في الفيلم بقدر ما تخدم تحركات الفتاة وأحاديثها.

هذا التشويش المقصود، لتكراره وتكرسه، أتاح للشخصية الرئيسية البروز بشكل هو من بين الأكثر إرباكاً أو ندرةً في السينما خلال العقود الأخيرة، فالتشويش حولها والغموض والنقصان في كل ما يخصها، حتى سلوكها وكلامها لم نكن متأكدين منهما، كله كان في خدمة حضور متسلط لها على عموم الفيلم، أما لماذا هو أكثر إرباكاً وندرة، فلأن لا ميزة بارزة في هذه الشخصية يمكن البناء عليها في دراسة سيكولوجية الشخصيات السينمائية مثلاً، لأنها شخصية عادية ليست مختلة ولا مبالغٌ فيها كي تتجاوز العادية. هي وحسب شخصية لا نعرف ما الذي نصدّقه منها أو نكذّبه، ولا نعرف مما يدور حولها ما كان واقعياً وحقيقياً.

تسلُّط الشخصية على طول الفيلم وحضورها الاستثنائي كان من خلال المحيط، ضمن الصورة والسيناريو، هو ما جعل الفتاة بهذه الجاذبية كشخصية سينمائية لها عناصر عادية يومية لكنها في النهاية، وبفضل الحقل والمحيط، كانت استثنائية. كأن الفيلم، بكل ما فيه، ملتفٌّ على بطلته.

«نجوم في الظهيرة» لكلير دوني: التفاف الفيلم على بطلته

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.