“ما هي السينما؟ لا شيء. ما الذي تريده؟ كل شيء. ما الذي تستطيعه؟ بضعة أشياء.”
هذه العبارة للمخرج الفرنسي جان لوك غودار، والتي تختم الوثائقي «غودار، وحدها السينما»، يمكن أن تلخّص مفهومه للسينما، في كونها لا شيء محدّد وبالتالي هي محاولات لانهائية للتجريب، تماماً كما بدأها في “الموجة الجديدة” وكما استمرّ بالخوض في أشكال ومضامين مألوفة ومألَّفة، في كونها دائمة التشكّل والتغيّر والتأقلم، هي لا شيء محدد. وفي كون السينما راغبة بكل شيء، ودائماً بمفهوم غودار، منفتحة على أنواع الفنون كلّها، شاملةً إياها، وعلى التاريخ والسياسة والاجتماع، في كونها عملاً فنياً وتحريضياً في الوقت عينه، وكما كانت دائماً لدى غودار. وفي كون السينما، أخيراً، مكتفية بتحقيق بضعة أشياء تبقى ضئيلة بالمقارنة مع ما تريده، فلا تكون الغاية في ما ستحققه السينما لاحقاً، بل في احتمالية ذلك، في الإعتقاد به، وفي الآمال والأحلام، حالَها، والحديث عن السينما العالِية، من حال الأعمال الفنية الأخرى، العالِية.
الوثائقي (Godard, seul le cinéma) للفرنسي سيريل لوتي، الذي عُرض ضمن “كلاسيكيات فينيسيا” في مهرجان فينيسيا السينمائي العام الماضي، والمعروض حالياً على قناة “آرتي” ضمن استعادات أخرى لأفلام منتقاة، لغودار، احتفاءً بالسينمائي الأكثر تأثيراً في من عاصره ولحقه من سينمائيين ونقّاد وفنانين، والذي قرّر إنهاء حياته العام الماضي، بعد ١٤٠ وفيلماً عصيّاً، في معظمها، على التصنيف، لتكون، بحد ذاتها، عالماً سينمائياً موازياً لكل ما دونها، لتكون سينما غودارية وحسب، وتكون يوتوبيّة.
نقل الفيلم شهادات مما عملوا مع غودار وعايشوه، لكنه ركّز على جانب غودار المهني في كون الأسطورة التي نعرفها حالة إنسانية بالأساس، وعلى طبيعة العمل معه وفي مراحله المختلفة، من “الموجة الجديدة” في الستينيات والتي استهلها بفيلمه “حتى آخر رمق” (١٩٦٠)، إلى السينما الثورية الراديكالية اللاحقة وأبرزها فيلمه “الصينيّة” (١٩٦٧)، إلى السينما الاجتماعية والملتزمة ما بعدها، المنتقدة للرأسمالية في فرنسا والامبريالية الأمريكية، والساخرة منهما. وبتخلّل، في مراحله كلها، لأفلامه الروائية الأقل تجريبية، أهمها فيلم “الاحتقار” (١٩٦٣)، وهو من الأفلام الروائية في سرديتها الكلاسيكية، القليلة التي صنعها غودار والذي تحوّل إلى واحد من أفضل الأفلام الروائية في التاريخ بحسب لوائح عدّة. الأفلام هذه وغيرها صنعت، بمجموعها، أسطورة سينمائية تخطت الحالة الإنسانية لغودار، وهو ما يقاربه الفيلم مع التذكير بإنسانيته بل بعلاقاته المتناقصة مع من حوله، وإن فاق بصفته أسطورة سينمائية، إمكانية الإنسان الفرد.
تناول الفيلم حياة غودار من خلال اختيارات من أبرز أفلامه، منها “امرأة متزوجة” (١٩٦٤)، و”شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها” (١٩٦٧)، و”أن تعيش حياتها” (١٩٦٢)، و”بييرو المجنون” (١٩٦٥)، و”ويك-إند” (١٩٦٧)، وقد تركّز الوثائقي على مرحلته في “الموجة الجديدة”، وهي الأكثر تكويناً لغودار بصفته السينمائية، والأكثر إدراكاً في المشاهدة وتأثيراً في الصناعة. قبل أن ينتقل إلى المرحلة النضالية في السبعينيات من خلال انتمائه إلى المجموعة السينمائية “دزيغا فيرتوف” نسبةً إلى المخرج السوفيتي، والتي من خلالها دخل مرحلة جديدة، مع رفيقته وزوجته آن-ماري ميلفيل التي صنع معها فيلمه عن الثورة الفلسطينية “هنا وهنالك” (١٩٧٦)، وهي التي أدارت مكتبة في باريس تخصصت في النضال من أجل القضية الفلسطينية بحسب الوثائقي. لينتقل الحديث إلى ما كان بداية سينمائية جديدة لغودار، وخاصة بعد حادث دراجة مميت عام ١٩٧١، ثم عزلته في غرونوبل، وذلك بفيلم دشّن تجربته الاجتماعية، ودائماً بأسلوبه التجريبي الدامج ما بين الوثائقي والروائي، “إنقاذ الممكن” (١٩٨٠).
ينطلق الوثائقي من غودار إنساناً، من خلال العلاقات مع من حوله، إلى تحديد هذه العلاقات بالمهنيّة، إلى السرد من خلال الأفلام، إلى الانتهاء بغودار الأسطورة الجامع ما بين الناقد في مجلة “دفاتر السينما”، والسينمائي المؤسس لتيار ثوري، والمناضل الماوي، والتقني الشامل صانع الصور والأصوات، والمنظّر الثاقب، والمجرّب دائماً، المنتقد اللاذع للرأسمالية على أشكالها، والرافض للعروض السينمائية في مهرجان كان السينمائي عام ١٩٦٨، متماهياً مع العمّال والطلاب، قائلاً للمنتقدين إنه يطلب منهم التضامن مع التظاهرات وهم يسألون عن أساليب التصوير، “هل أنتم حمقى؟!”.
لغودار سينما موازية، لا زمانية، لا مطمئنّة، لا منتهية. أعاد خلق السينما بمفهومه الخاص، المثالي. اليوتوبيا التي حاول غودار مقاربتها اجتماعياً وسياسياً في واقعه، من خلال الفن والسينما، حلّت أخيراً في هذه الأفلام وبمعناها السينمائي، بسينما جديدة لا نجدها سوى عنده، لتكون أفلام غودار يوتوبيا سينما العالم.
