1, الأولى
اكتب تعليقُا

“آل الفيبلمان” لسبيلبرغ… السينما كتقليدٍ هوليوودي

يمكن القول إن ستيفن سبيلبرغ من بين المخرجين السينمائيين الراهنين الأكثر “نجاحاً” بالمعايير الهوليوودية المدرسيّة والتقليدية، والنجاح لا تعني الأفضل، لكن سبيلبيرغ راكم أفلاماً كثيرة كانت علامات في مسيرة السينما الهوليوودية، علامات لأنها مخلصة لطبيعة الصناعة الهوليوودية، منذ فيلمه الأول عام 1975، الذي صنع اسمه، Jaws الذي يُعتبر نموذجاً لكيفية صناعة الفيلم الهوليوودي، وبمسيرة طويلة كانت أساسية في رسم شكل الفيلم الهوليوودي ومضمونه. بكل ذلك، وبتراكم طويل زمانياً وعديد فيلمياً، ولكونه لاحقاً صاحب واحدة من أهم شركات الإنتاج في هوليوود، وهؤلاء هناك أهمُّ من المخرجين، كبر اسمُ سبيلبرغ وصار منذ سنوات أهم من عناوين أفلامه.

هذا “الكبر” في اسمه رفع من مكانة عناوين أفلامه أكثر مما تستحق، مهما كانت جيدة أو عادية، ومهما بدت رتيبة ومتوقّعة لإخلاصها لأسلوب السرد الهوليوودي وكذلك التصوير والإخراج النموذجيين لأي فيلمِ شباك تذاكر و”بلوكْبَستر”. بخلاف تيارات جماعية وأفراد في الولايات المتحدة صنعوا سينما مستقلة وفنية خارج محددات استديوهات هوليوود، خارج اعتبارات الشباك والإيرادات بل لاعتبارات السينما بصفتها فناً، والمهرجانات السينمائية والآراء النقدية.

لكن، “آل الفيبلمان” نال تقييماً نقدياً عالياً في الصحافة الفرنسية مثلاً، حيث الذوق السينمائي يختلف عنه في الولايات المتحدة. لكن ما بدا فيلم مراحل ختامية لسبيلبرغ، أتى بما قارب الإجماع النقدي لاعتبارات تفوق الفيلم ذاته، وفيه رسمَ سيرته الشخصية ودخوله عالم الإخراج، بما يشبه الوصية، والوصية جاءت بشكلها المباشر في المشهد الأخير، مع تكريم سبيلبرغ في مهرجان برلين السينمائي الأخيرة بدب ذهبي فخري عن مجمل مسيرته، ولكون السينما كموضوع سينمائي، محبّب للنقاد السينمائيين (كأن يميل شرطي إلى مشاهدة أفلام بوليسية)، هذا كله منح الفيلم مكانة أتت من اسم صانعه وليس من كونه فيلماً بصفته عملاً فنياً مستقلاً.

لا يعني كل ما ذكرته أن الفيلم، The Fabelmans، رديء أو عادي. إنما لا يستحق ما ناله لكونه فيلماً وحسب، بل لكونه فيلمَ سبيلبرغ الجديد. فاسم المخرج هنا أكبر من اسم الفيلم. وإن كان في الفيلم مشهدٌ هو الختامي، أجده، وبخلاف مجمل الفيلم، واحداً من أهم المشاهد التي تحكي عن السينما في السينما. يذهب الشاب إلى “أهم مخرج في التاريخ” كما قيل له، جون فورد، ليقابله، فيسأله الأخير عما يراه في اللوحة الأولى، ثم الثانية، ليعلّق فورد، بدورٍ أدّاه ديفيد لينش، أحد أعظم المخرجين السينمائيين الراهنين حقيقةً، يعلّق أن في اللوحة الأولى الأفق في أسفلها، وفي اللوحة الثانية الأفق في أعلاها. فالأفق لا بد أن يكون إما أسفل اللقطة وإما أعلاها، وإن كان في منتصفها سكون اللقطة مملة. وهو كما بدا في الفيلم، المشهد الذي عاشه سبيلبيرغ في طفولته وفتح له عالماً سينمائياً كان الولد يحاول منذ طفولته الدخول إليه.

الفيلم جيّد وليس عظيماً، تقليدي وليس فنياً. لا يقارن بجماليات فيلم آخر نقل سيرة سينمائية متخيّلة لطفل سحرته السينما قبل أن يكبر ويصنعها، في “سينما باراديسو” (1988) للإيطالي جوسيبي تورناتوري، فالمسافة شاسعة ما بين فيلمين يقارَر أحدهما أخيراً بالآخر، لتَشاركهما الموضوع. كما أنه لا يصل مستوى العديد من الأفلام التي تناولت السينما من نواحٍ غير سيريّة، أهمها “ملهولاند درايف” (2001) لديفيد لينش ذاته، و”ثمانية ونصف” (1963)

 لفديريكو فليني، و”سنست بولفارد” (1950) لبيلي وايلدر، أو العديد من أفلام لائحة لا تنتهي. وفي ذكر هذه العناوين الثلاثة غبنٌ بحق “آل الفيبلمان”.

الفيلم الذي يروي فيه سبيلبرغ سيرته، ودخوله عالم السينما، إضافة ممتازة إلى سينما هوليوود، إلى سينما شباك التذاكر، إلى أفلام “الحلم والنجاح الأمريكيين”، لكنه يبقى ضمن حدود ذلك العالم المحبوك جيداً والنموذجي في سرديته وبصرياته، كصور الإعلانات التجارية للعطور والأزياء، حيث لا أخطاء في الصورة، وحيث الكمال المقصود فيها كان على حساب تلقائية وروحية ومغامرة الفنون، وخروجها عن الإطارات والتقاليد، وهذه كلّها ميزات أعمال فنّية لا تتلاءم ومتطلبات وميزانيات وصناعات الأعمال التجارية. هذا الفيلم مسلٍّ وممتع لكنه لا يبهر، لا يسحر. فيلم صناعةٍ ضخمة لا فنٍّ مرهَف. فيلم هوليوودي ممتاز، أهم ما فيه أنه لسبيلبرغ، أحد كبار “أسماك القرش” في هوليوود.

 

«آل الفيبلمان» لستيفن سبيلبرغ: السينما كتقليدٍ هوليوودي

 

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.