1, الأولى
اكتب تعليقُا

“الابنة الأبدية”… تيلدا سوينتون في براعة مضاعفة

يضع الفيلمُ مشاهديه في شروط فيلم الرعب من المشهد الأول، في سيارة تتجه ليلاً، في الصقيع، إلى فندق مهجور في منطقة معزولة. امرأتان في سيارة تاكسي يحكي لهما السائق عن امرأة ظهرت في صورة من خلف نافذة في الفندق ولذلك يتجنبه، وكانت شبحاً. هذا التقديم الكلامي والبصري للفيلم، يضعه ضمن شروط فيلم الرعب المبني على عناصر يعرفها مشاهد هذه الأفلام، من العتمة والبيت المهجور المسكون إلى أشباح وأصوات غريبة. وأكمل الفيلم في هذه الشروط إلى آخره، ما يمكن أن يجعله فيلم رعب عادي آخر أفضل ما فيه يكون تمثيل تيلدا سوينتون، ما يمكن أن يبرر مشاهدته. لكنه، الفيلم، كان في مكان آخر.

“الابنة الأبدية” (The Eternal Daughter)، مبني على عناصر لا تخطئها العين والأذن، لأفلام الرعب، عناصر منها أصوات أبواب تصفق ليلاً، ممرات تبقى معتمة، مع إضاءات خضراء كثيفة تزيد من غرابة المشهد، واستفاد الفيلم من كل ذلك كعناصر جمالية تتيح، بالعتمة والمساحة القليلة المتاحة للضوء، من استخدامٍ مركّز للألوان، أضيف إليها غرابة في التمثيل كان في تأدية سوينتون لدورها كامرأة، جولي، تصطحب والدتها إلى الفندق، ولدور الوالدة الغريبة، في إبداع مضاعَف لسوينتون. حمل الفيلم عناصره هذه وغيرها لينقل قصّة بعيدة كل البعد عن مضمونها التشويقي أو الرعبيّ أو الماورائي.

استند الفيلم على شروط فيلم الرعب ليقدم حكاية يمكن أن تحصل، سينمائياً، في أجواء نقيضة، في منتجع مزدحم صيفاً مثلاً، عند شاطئ قصدته جولي ووالدتها للغاية نفسها. أما الغاية فكانت الاحتفال بعيد ميلاد الأم، وكانت كذلك، وأساساً، اصطحاب الأم لتروي ذكرياتها في هذا الفندق الذي كان بيتاً كبيراً حاضناً لعائلتها، كبرت فيه قبل أن يهجروه ويصير فندقاً. وكانت الغاية كذلك لتسجّل جولي ذكريات أمّها خفيةً من خلال تليفونها، وذلك كلّه لتغذّي السيناريو الذي أتت لتتفرّغ وتكتبه لفيلم جديد. هذا التفصيل ينقلنا إلى عالم موازٍ للفيلم المتضمّن عالمين، واقع جولي ووهمها أو خيالها، وهو كذلك منطبق على الشخصيتين في الفيلم، الابنة وأمها.

كما أن للفيلم عالمين واحد واقعي والآخر سنعرف به لاحقاً وسندرك بأنه خيالي، كذلك كانت إحدى الشخصيتين، كأن كل ما يدور في الفيلم كان لغاية واحدة هي الانتهاء من كتابة السيناريو، كان ذلك بالتخيّل أم التوهّم أم غيره. لحظة في الربع الأخير من الفيلم، تنفك عندها الحبكة ونجد أجوبةً على الغموض المكتنف للفيلم وأجوائه، والحوارات فيه وبعض الغرابة في سلوك الأم، في تلك اللحظة حين تصرخ جولي في أمها كأنها تصرخ في نفسها، يستدرك أحدنا علاقات الأشياء والأشخاص والأمكنة ببعضها في الفيلم.

الفيلم مغمور بأجواء “قوطية” أضاف إلى غموض شروط أفلام الرعب، غموضاً ماورائياً آتٍ من ماضٍ يبدو سحيقاً. فابتعد الفيلم، بذلك، مع مُشاهده عن أي توقّعات واقعية مما يحصل أو ما يمكن أن يحصل فيه. جاعلاً من أجوائه المعتمة عنصراً جمالياً في استخدام للظلال المكسورة بإضاءات خفيفة تَخللها الأخضر الآتي بشدّة من لافتات “مَخرج” الموزعة على جدران الفندق، كأنها تؤكد لجولي أن لا مخرج من كل ذلك رغم سطوع اللون الدال عليه.

المَخرج من الفيلم كله كان بإعادته إلى عالمه الواقعي، وتبيان أن الخيال كان متقصَّداً، وأن كل ما تريده جولي، في فندق يعيش أجواء قرنين سابقين وفي حياة راهنة يشير إليه أول سؤال لجولي في الفندق عن توفّر الإنترنت. تمضي جولي أخيراً بكتابة فيلمها الذي كان، في ما يمكن أن يفسره أحدنا، الفيلمَ الذي شاهدناه، حكايتها مع أمها في فندق كئيب وفارغ بعدما كان بيتاً ممتلئاً بعائلته.

الفيلم لمخرجته الإنكليزية جوانا هوغ، المعروفة أكثر بأفلامها المستقلة وبدوام عملها مع تيلدا سوينتون، إحدى أكثر الممثلات حرفيّة في السينما العالمية المعاصرة، وقد عُرفت هوغ بفيلمها The Souvenir بجزأيه الأول والثاني. أما فيلمها “الابنة الأبدية” فقد نزل أخيراً إلى الصالات الفرنسية آتياً إليها من المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، ومهرجان تورنتو السينمائي من بعده.

فيلم «الابنة الأبدية»: تيلدا سوينتون في براعة مضاعفة

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.