1, الأولى
اكتب تعليقُا

“قرار بالرّحيل” لتشان ووك… التشويق كعنصر لانهائي

بفيلمه هذا، واستتباعاً لفيلمه السابق له، وأحد أجمل أفلام العقد الماضي، “الخادمة”، رسم المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك لنفسه طبعةً خاصة من أفلام التشويق. طبعةً نقلت التشويق من عالمه الاستهلاكي إلى عوالم فنّية تبدأ بالسيناريو ولا تنتهي بالتصوير. في الفيلمين نحن أمام قصة تشويق هي بوليسية بقدر ما هي رومانسية. نحن أمام قصة حب يغلب عليها التحقيق، أو قصة تحقيق يغلب عليها الحب. لا يسهل تحديد الغلبة هنا. أما السرد لهذه القصة أو تلك، بالتصوير والمونتاج، وفيه تتداخل الأزمنة والأمكنة، المُعاش والمَروي، فبه يحمل الفيلمان مُشاهدهما إلى عالم واحد متكامل دائري، أو حلزوني منتهٍ إلى نفسه فيتكرر إلى -كما يبدو- ما لا نهاية. التشويق هنا عنصر جمالي لا استهلاكي، عنصر لانهائي.

الكلام هذا ينطبق على فيلمه السابق كما ينطبق على الأخير، الذي نال عنه مخرجه جائزة “أفضل مخرج” في مهرجان كان السينمائي العام الماضي. وكان نيلاً مستحَقّاً لابتكارات الإخراج، التصوير والمونتاج، والتنقل بين اللقطات وفي أساس الصور للقطات الفيلم -أمكن القول- جميعها. وإن استحق الفيلم أكثر من تلك الجائزة، بعدما حام تشان ووك حول السعفة الذهبية، محاصِرها، في أفلامه السابقة التي نال عنها جوائز منها “لجنة التحكيم الكبرى” عن “ولد كبير” عام 2004، و”لجنة التحكيم” عن “عطش” عام 2009، وإن لم ينل أفضل أفلامه، “الخادمة” عام 2016 أياً من جوائز المهرجان الأساسية.

في فيلمه الأخير (Decision to Leave)، يحدّد المخرجُ لنفسه طبعةً خاصة في عالم التشويق، وأفلام الجرائم والتحقيق، من ناحية، وفي عالم الحب والعلاقات والزواج والمهنة، من ناحية أخرى، مضيفاً كلاً من الجانبين، في جمالياته السردية والبصرية، إلى الآخر، رافعاً من الفيلم بجانبيه، بما يجعله مستحقاً، في “قرار بالرّحيل” لما هو أعلى من “أفضل مخرج”، وإن حال دون ذلك ما كان برأيي تعقيداً في الكبحة واستدراكات وانعطافات، وشخصيات تطرأ، وطولٌ في المدة، أرهقت المُشاهد في مواضع، قبل أن تسحره لقطة هنا أو مشهد هنا، ليستجمع طاقاته الإدراكية فيتلقى الفيلمَ على أفضل نحو ممكن. هذا التركيب والتعقيد في الفيلم، وهو بكل الأحول أحد أسباب جمالياته وإن زاد عن حدّه، سيكون -كما يبدو- ميزة لأعمال المخرج، وإن أتعبتْ مُشاهدها قليلاً.

في الفيلم مُحقّق، يبحث في سقوط أحدهم عن صخرة تسلّق عالية، ما يمكن أن يكون عملية قتل أو انتحار أو مجرد سقوط. يلتقي في تحقيقاته بزوجة الميت وتنشأ علاقة بينهما، تمزج بين المهنية والشخصية، ينجذب أحدهما إلى الآخر، خلال التحقيق وبعد إقفال الملف وتبرئتها. يذهب كلٌّ في طريقه، لتتزوج هي ويموت زوجها الثاني بحادثة غامضة، فتنفتح قضية تحقيق أخرى لا تنفصل عن الأولى. يبقى الانجذاب بين المحقق والمتهمة السابقة/الحالية، في تعقيد أضيف إلى حياته كشرطي وكزوج لامرأة يبدو أن أكبر مشاكله معها رائحة الدّخان التي تشمها في قميصه. أما القرار بالرحيل، فهو لإحدى الشخصيات التي اختارت أخيراً الخروج، تراجيدياً وابتكارياً في ذلك، من كل هذه التداخلات.

في الفيلم تنقيل بارع بين المشاهد، تداخل بين الجمالي والسردي، بحركات شبه ثابتة للكاميرا المبتعدة قليلاً، المتحركة ببطء، كأنها تتيح للمشاهد فرصة أخيرة لتأمل اللقطة واستيعاب جمالياتها، وهذا واحد من التشويشات على الحبكة المعقدة، أو أنّ الأخيرة تشويش على الصورة البديعة، أو كلاهما كان كذلك، واحدهما على الآخر، نوعاً من قصديّة المُخرج في صعوبة استيعاب ما يحصل، أو رغبةً من المُشاهد في الإلمام بكل تفاصيل السرد والصورة، الجماليات المحكيّة والمرئية، في ما يمكن توصيفه بالمهمّة الشاقة.

الفيلم يداخل بين العوالم، بين الأنواع، بين طرق السرد، هنالك لعب على كيفية الانتقال إلى المشهد التالي، إلى الانعطافة التالية في الحبكة، لعب حواراتيّ ومونتاجيّ، وهو بذلك سهّل مهمّة تلقّيه بقدر ما يستحق، وصعّبها في الوقت عينه.

«قرار بالرّحيل» لبارك تشان ووك: التشويق كعنصر لانهائي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.