تتنوّع في السنوات الأخيرة السياقات التي تذهب إليها الأفلام الفلسطينية، زماناً ومكاناً وحكايات. الإشارات البصرية (كالجدار والحاجز…) التي تراكمت لتَحصر “الصورة السينمائية الفلسطينية”، وتحاصرها، تتراجع في الأفلام الأخيرة («حمى البحر المتوسط»، «فرحة»، «علم»)، بل أتت في هذا الفيلم، بواحد من هذه الإشارات، بشكل مونتاجي مبتكَر في مقابلة أسوار القدس بالجدار الإسرائيلي. في مشهد مرهَف من الفيلم، بدا عبوراً من مرحلة إلى أخرى في خطه السردي، ما يرجَّح له أن يكون استراحة أو فاصلاً بين مَشاهد أساسية، وبالتالي أقل أهمية من غيره. هو الطريق بين مكانين في الفيلم، القدس وبيت لحم، لكنه كان المشهد الأجمل في الفيلم (مقابل تصوير عادي في عمومه) حين قررت الطفلة، ريبيكا، الذهاب لوحدها إلى بيت لحم ومخيم عايدة فيه. هذا الطريق الذي نراه بأعينها، بادئاً بالسور الحجري العتيق ومنتهياً بالجدار الاسمنتي العصري/العنصري.
هنا، أتى الجدار بصفته واحداً من الإشارات والعلامات لهذه السينما، أتى بلقطة قصيرة وبشكل مبتكَر، وما دونه في الفيلم كان خارج التنميطات السينمائية الفلسطينية. لكن الفيلم ابتعد أكثر من ذلك في حكايته الفلسطينية، فهذا السياق شديد الواقعية، كما نعرفه في أفلام فلسطينية، أتى هنا خيالياً أقرب إلى مزجٍ بين قصص الحِكَم للأطفال وأفلام الرعب للكبار.
فيلم مؤيد عليان، «بيت في القدس»، المشارك في مهرجان روتردام السينمائي ٢٠٢٣ في تظاهرة “لايمْلايت” (إنتاج عدة جهات من بينها “ميتافورا”)، قدّم جديداً في مقاربة الحكاية الفلسطينية هو نقلها ضمن “الجانْر” (النوع السينمائي)، في فيلم تشويق سيكولوجي، أقرب إلى بدايات فيلم رعب، لتتداخل الأجواءُ ويخرج الفيلم عن “رعبيّته” ويدخل في التاريخ من بوّابة المأساة الفلسطينية، وذلك من خلال ما بدا حكاية خرافية للأطفال. وكان الفيلم في ذلك مقاربةً غير مَطروقة في تقديم المأساة الفلسطينية سينمائياً، وإن شابها بعض التشويش، وباختلاف طفيف عن مقاربة «حكاية الجواهر الثلاث» (١٩٩٥) لميشيل خليفي، حيث الخرّافيّة للأطفال. وذلك بخلاف الأفلام الواقعية والمعاصرة، وهو حال السينما الفلسطينية وعموم السينما الفنية في العالم.
توسّل «بيت في القدس» نمطَ الأفلام المألوفة في قصصها لدى المُشاهد، نحكي هنا عن فيلم اتّخذ عناصر فيلم الرعب في نصفه الأول، لكن ببطء، بخلاف أفلام الرعب المتسارعة في أحداثها، عناصر مثل الانتقال إلى بيت جديد هجره أصحابه منذ زمن، واسع ومرفق بجنينة، اثنان فقط فيه، الطفلة ووالدها الغائب في عمله طوال الوقت. هي الطفلة إذن لوحدها في بيت ترى فيه شبح طفلة أخرى اسمها رشا، لا تظهر في صور التليفون ولا أحد غير ريبيكا يراها. هذه العناصر وطريقة التصوير في النصف الأول من الفيلم كانت لفيلم رعب نمطي واستهلاكي، تطورت الأحداث لندخل في تاريخٍ لهذا البيت يُخرج الفيلمَ، وبأحاديث بسيطة على لسانَي الفتاتين إنما محمّلة بمضامين يفهمها الكبار، كما في قصص الأطفال، يُخرجه من حالة الخيال والخرافة إلى واقع وراهن هو امتداد لماضٍ شهد مأساةً كانت رشا وعائلتها، أصحاب البيت الأصليين، ضحايا لها. البيت المهجور في فيلم الرعب، له مضمون تاريخي هنا جاءت به فلسطينيةُ الحكاية. بدأ الفيلم يخرج من حالة الرعب داخلاً إلى الواقع وامتداده التاريخي، عبر خيط واصل بين الاثنين هو الحالة السيكولوجية للطفلة ريبيكا.
في أفلام التشويق السيكولوجي يدرك المُشاهد أن للشخصية حالة مرَضية هو مراقِب لها من بعيد، متعاطف معها لكن متماهٍ مع الآخرين، من لا يرون الأشباح التي تراها المصابة بالحالة، مثلاً. هنا، ومن دون إدراك للخلفية التاريخية، وهي النكبة وطرد أصحاب البيت المقدسي عام ٤٨، من دون هذه المعرفة يتماهى أحدنا مع الطفلة، فوق تعاطفه معها. نكاد نصدّق أن رشا المختبئة في البئر منذ النكبة والتي توقف الزمن بها طفلةً، تنتظر أمها، أنها حقاً موجودة، آثارها موجودة (رسمة على الحائط ووقوع لزجاجة)، فالفيلم كله بني على حقيقيتها. في أفلام السيكولوجيا نصل إلى لحظة يجد الفيلم لنفسه مَخرجاً واقعياً من مسار متخيَّل، هنا انقلب الأمر وصار لا بد من مَخرج من المسار الواقعي (البيت المقدسي المحتَل، بيتاً ومدينةً وبلداً) بتحقيق المتخيَّل (رشا الطفلة منذ النكبة)، لتصير رشا حقيقية. فكانت قصة الأطفال الخرافية تاريخاً واقعاً، يشهد له البيت ورشا.
هذه الواقعية وذلك المَخرج، كانا في استحضار لرشا بعد كل تلك السنين، رشا الختيارة الناجية من عمليات التطهير العرقي عام النكبة، والتي احتلّت الدولة بيت أهلها ثم باعته إلى جدّ ريبيكا، القادمة من بريطانيا مع أبيها، إلى بيت جدها، كي تخرج من تروما فقدانها أمها في حادث طرق. هنا، لا تخرج ريبيكا من التروما ولا تنسى أمها، لكن تروما فقدان آخر، لطفلة تصادقت معها، رشا التي بدأت في الفيلم شبحيةً وانتهت حقيقيةً، وقد اختبأت في البئر انتظاراً لأمها التي وعدتها بأن تعود لإخراجها، تقابلت مع فقدان ريبيكا الحادثيّ والفردي. كادت الطفلة تنسى مأساتها الفردية وانشغلت برشا ومأساتها الجمعية.
للفيلم لغة رئيسية هي الإنكليزية تحدّثت بها الطفلتان، ما شوّش قليلاً على موثوقية الشخصيات، كما أن تجنّب الإشارة إلى النكبة أو الجنود أو الإسرائيليين كمرتكبين مباشرين لعملية تطهير عرقي، أو على الأقل كمستعمرين للبيت المقدسي، والإشارة إلى النكبة بالـ”حرب” كأن مجهولاً (كما في أفلام الرعب) تسبّب في مآسي الفيلم، حمل تشويشاً أشدّ على مصداقية السيناريو التاريخية. قد لا يكون مُشاهدٌ فلسطيني بحاجة إلى إشارات كهذه في الفيلم ليردك ما يحصل. لكن لمشاهدٍ أجنبي، الإشارات غير المراوغة في التاريخ الفلسطيني ستكون ضرورية. إمكانية أن يُعرض الفيلم لجمهور أجنبي يسلتزم الإصرار على وضوح تحديد السياق التاريخي، وإلا فليكن فيلمَ رعب دون إحالات للتاريخ الفلسطيني. لا بد من ذلك مع المُشاهد الأجنبي تحديداً، بخلاف المُعتقَد بضرورة تجنّب إشارات كهذه لأجل ذلك الجمهور (وقبله، المنتِج والموزّع). الفيلم يَخرج بنسخة واحدة أخيراً، ولا بد، لذلك، من اعتبار أوّلي هو المتلقّي الفلسطيني والعربي لفيلمٍ صنّاعُه فلسطينيون وكذلك شخصياته. بكل الأحوال، أحاديث سريعة عن النكبة على لسان رشا الختيارة، تخفّف من ذلك التشويش.
أفلام الرعب تنقل للمُشاهد قصصَ أشباح وجرائم تكون فردية، كشخصية تكون قاتلاً متسلسلاً أو مختلاً أو مهووساً أو غيرها، تكون قصة فردية كذلك بضحاياها، فيتعاطف معها المشاهد ويتماهى لأنّ مع كل قصة فردية على الشاشة يتفحّص أحدنا، أثناء المشاهدة، إمكانية أن يعيش التجربة ذاتها، وهو ما لا يحصل في الأفلام ذات القصص التاريخية، أو الواقعية ذات السياقات الخاصة والمحدَّدة، كمعظم قصص السينما الفلسطينية. لا يتساءل مُشاهدٌ (من خارج فلسطين) عن احتمال أن يوقفه جندي على حاجز بقدر ما يتساءل عن احتمال أن يلتقي بشبح في بيت مهجور، وإن كان الأول واقعياً والأخير خرافةً.
ما يميز هذا الفيلم كان في نقل السياق الفلسطيني الجمعي إلى الحالة الفردية (العالمية) الممكن التماهي معها مع احتمالية عيش التجربة ذاتها، كأي فيلم “جانر” يخاطب جمهوراً واسعاً. من خلال ذلك مرّت القصة الجمعية الفلسطينية بقلب الخرافة إلى واقع، والراهن إلى تاريخ.
جميعنا، بمشاهدة أفلام الرعب، يتخذ لنفسه مكان الشخصيات، الضحايا تحديداً، هذا ما لا يكون في فيلم يحكي عن استعمارٍ له سياقه الوطني الخاص. هنا، كان الفيلم إضافة مبتكَرة في نقل الحكاية الفلسطينية إلى مساحة التعاطف والتماهي لأنّ كلّ مُشاهد سيأخذ بجدية احتمال أن يظهر له شبح على شكل طفلة (إرث فيلم The Exorcist – ١٩٧٣)، مقابل محدودية احتمالِ مواجهةِ احتلالٍ أجنبي بجنوده ومستوطنيه. الرعب والشبح حالة فردية لا تحتاج ظرفاً تاريخياً جمعياً، وكان بذلك، في الفيلم، مَدخلاً واسعاً وجماهيرياً للتماهي مع المأساة الفلسطينية.
