1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الكرّاس»… شجر الدّراق المذهّب

يطرح الفيلم تساؤلات قد تبدو الإجابة الأوّلية عنها سريعة ومباشرة، تتعلق بالأرض الزراعية من ناحية، وبدائل مصادر الطاقة من ناحية ثانية. أيهما أفضل للبيئة، الزراعة في بستان من أشجار الدّراق أم نصب ألواح للطاقة الشمسية كمصدر طاقة بديل عن تلك الصناعية.

لا يقدّم الفيلم طرفَيه في الجدال، بفصلٍ واضح بين الخير والشر، بين صديق البيئة وعدوّها. الانقسام هنا بين خيارَين يصب كل منهما في صالح الأرض والطبيعة بشكل من الأشكال، وكلٌّ من منطقه. الإشكال هنا إنساني، هو في العلاقة مع الأرض لا في “ما الأفضل لها؟”. في ذلك يطرح الفيلم مسألة تمدد الرأسمالية إلى بيوت المزارعين وبحجج قد تبدو أخلاقية، فالفيلم يقابل بين الأشجار والألواح، ويحسم المسألة إنسانياً.

في بساتين وحقول إسبانية، في مدينة منطقة الكرّاس الكتالونية التي اتخذ الفيلم لنفسه عنواناً له (Alcarràs)، وفي بستان الدّراق تحديداً، تعيش عائلة من ثلاثة أجيال هي الجد، والأب كيمت، رب العائلة الأبوي والغاضب (الذي يقتنع بالانضمام إلى مظاهرات المزارعين ويكف عن لامبالاته، حين يتغلب على غضبه)، وأبناؤه. يتمحور الفيلم حول كيمت الذي يعبّر عن غضبه بداية من عدم وجود ورقة موقعة من الجد تضمن لهم استئجاراً طويلاً للأرض التي يعيشون عليها ومنها، ويفلحونها ويحصدون ثمارها، فقد كان العقد كلامياً، كلام شرف، بين أبيه، الجد، وبين مالكها قبل عقود. ثم يمتد هذا الغضب في رد فعل على زيارة لمؤجّرهم الأرض، المالك الابن، ليقول إن الأرض ستتحول إلى ساحة “لزراعة” ألواح الطاقة الشمسية، وأنّ أشجار الدّراق الذي ذهّبته الشمس، ستُخلَع، وأن كيمت يستطيع أن يكون مديراً للمشروع مع مردود مالي أكبر. يزيد غضبُ كيمت ويُلقى طوال الوقت على أفراد أسرته، في تعامل أبوي وآمر لا يكتفي بالغضب مبرراً له.

فيلم الكتالانية كارلا سيمون يصوّر الطبيعة المطلة على الشمس في غروبها وشروقها تحديداً، في إضاءة ذهبية للقطات، ما منح الفيلم عنوانه الفرنسي «شموسنا»، وما يمكن أن يكون، إضافة لمعالجته المركّبة لتدخّلات الرأسمالية في الطبيعة، استحقّ جائزة “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي ٢٠٢٢. ضمن اللون الذهبي المنعكس على أوراق أشجار الدّراق وعلى التربة الحمراء، وضمن الحياة القروية بكل عفويتها كما نراها من خلال أربعة أطفال يحضرون أكثر من غيرهم في الفيلم، نقلت المخرجة تمدّد الرأسمالية بعنوان أخلاقي هو الطاقة الشمسية، كأنّ شمساً أخرى سيتم زرعها مقابل الشمس التي في السماء. أمامنا شمسان هنا، تلك التي تشع كل نهار على الأشجار والتربة، تلك التي تغذي المساحات الخضراء الشاسعة، والتي تذهّب لقطات الفيلم، والشمس المنعكسة على ألواح صناعية لتجميع طاقتها في محاولة لاستحداث بديل أقل أذى من غيره مما اخترعه الإنسان، لكن، وهو الأساس، في محاولة استخراج موال أكثر من هذه المساحة.

لكلٍّ من الخيارين شمسه، لكلٍّ حجّته. لكن الفيلم، وقد اتخذ من العائلة الريفية منطلقاً لهذا الجدال، ومن علاقة العائلة بالأرض، كان، أخيراً ومن بعد الجدال المركّب، كان منحازاً للعلاقة الطبيعية بين الإنسان والأرض. أمّا الحساسية في التناول فكان في استبعاد الشر كمبرر أو سمة لأي طرف هنا. يكفي أن ممثل العائلة وهو معيلها، كيمت، كان عدائياً مع كل أفرادها، لكنه في معادلة الفيلم كان ممثل الطرف الخيّر، أو، للدقة، الطرف المتعلق بأرضه، الطرف الذي اختار الشمس التي في السماء ليعيش منها هو وأشجاره، لا الشمس المصنّعة في ألواح، تُخلَع الأشجار لتُنصب هي محلها، في منظر صوّره  الفيلم من بعيد، بكل ما فيه من غرابة وإقحام لمواد زجاجية ومعدنية وبلاستيكية بين خشب الأشجار وأوراقها وجذورها.

من دون تصوير ميكانيكي لفصل الخير عن الشر أو الطبيعة عن التقنية، استطاع الفيلم إثارة الانحياز إلى إنسانية التعامل مع الأرض، مقابل أرباح رأسمالية ترى في استثمار مساحة خضراء في نزع خضرتها، أمراً أخلاقياً، المسألة لم تكن في استبدال الألواح بالأشجار، وإن كان هذا بحد ذاته غير أخلاقي، فلا يناقش أحدنا في استبدال الأقل ضرراً (الألواح) بالمفيد (الأشجار) إن أخذنا “رأي” الطبيعة في ذلك، المسألة، تحديداً، في العلاقة الإنسانية مع الأرض، في كيف يراها كل منّا.

فيلم «الكرّاس»: شجر الدّراق المذهّب

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.