1, الأولى
اكتب تعليقُا

“لا دببة” لجعفر بناهي… تداخل الدولة والخرافة

في فيلمه الأخير، “لا دببة”، يكمل الإيراني جعفر بناهي الأسلوب السينمائي الذي صار يتكرّس لديه مع كل فيلم، وكذلك الموضوع. كأن الفيلم جزء آخر من سلسلة ثلاثيات ورباعيات صار للمخرج بصمته من خلالها، والحديث هنا عن أفلامه الأخيرة تحديداً، “تاكسي” عام 2015 و”ثلاثة أوجه” عام 2018، وقد بدأها بفيلمه “هذا ليس فيلماً” عام 2011، مع حالات المنع الأولى لبناهي من قبل النظام الإيراني، في إثر فيلمه “تسلل” عام 2006.

في الأفلام الثلاثة، ورابعها هذه السنة، ماهى بناهي بشكل يصل حد الإرباك ما بين الوثائقي والروائي. أو هي أفلام روائية في أكثر حالات الاستعارة الروائية من الوثائقيات. أسلوباً، كانت واقعية الشخصيات بمؤدّين حقيقيين لا ممثلين، في عمومهم، وهو، بناهي، أحد الحاضرين بصفته الواقعية، المخرج الإيراني الممنوع من العمل جعفر بناهي، شخصاً وشخصية. أما المضامين فهي ما يحول دون إنجاز فيلم، لأسباب سياسية او اجتماعية، أو خرافية في معتقدات كما بيّنها “لا دببة” الذي صوّر في قرية حدودية مع تركيا، في مجتمع منعزل يؤمن بالخرافات ومنها أن هنالك دببة تخرج إلى الطريق ليلاً.

الوصل ما بين الأسلوب الوثائقي والمضمون وما فيه من إعاقات لصناعة الفيلم، يكون هنا بفيلم داخل الفيلم (ميتافكشن)، هو تداخلٌ ووصلٌ يماهي ما بين عملية صناعة الفيلم وبين الفيلم الذي نشاهده. ينطبق هذا على الأفلام المذكورة، مع خصائص تمايز بين فيلم وآخر، لكنها كذلك حاضرة في فيلمه الأخير الذي شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي ونال فيه جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

في “لا دببة”، يصور جعفر بناهي، الشخصية، فيلماً من خلف الحدود مع تركيا، لإيرانيين يحاولان الهروب إلى فرنسا بجوازات سفر مزورة، وبناهي الممنوع من مغادرة إيران، شخصاً في واقعه وشخصية في فيلمه، يقوم بإخراج الفيلم من خلال اتصال فيديو عبر لابتوبه، وفي قرية حدودية لا تبعد عن موقع التصوير. فيلم داخل الفيلم إذن، الداخلي يتناول القمع السياسي للنظام الإيراني ومحاولة أفراد الهرب واللجوء إلى أوروبا، والخارجي هو ما نشاهد بناهي فيه، سينمائي ممنوع من مغادرة إيران، بفعل قمع سياسي كذلك، لكنه محاصر، على طول الفيلم، مما هو متوافق ومتواز مع القمع الواعي للنظام، هو قمع لاواع، للمجتمع وتقاليده وخرافاته، يخص مسائل محلية كالزواج والشرف وتصل إلى القتل، في ما يبدو أخيراً تواطؤاً بين النظام السياسي والنظام الاجتماعي منعاً لإنجاز فيلم وتقييداً لحرية الفرد.

في الفيلم (No Bears)، يلتقط بناهي صوراً لأطفال وأهالي من القرية. يشاع خبر بأنه التقط صورة لعشيقين من بعيد، الفتاة من بينهما “مقرَّر لها” أن تتجوز آخر، هذا الأخير يرافق “كبار” القرية إلى بناهي طالبين منه محو الصورة، أو حتى القَسَم بأنه لم يصور شيئاً، وإن قسم كذباً، فيريح الجميع صوّر العاشقين أم لم ييصوّرهما. لكنه أصر على أن لا صورة لديه، تحديداً بعدما لجأ إليه العشيق قائلاً بأن الصورة قد تودي به قتيلاً.

في الفيلمين، الداخلي والخارجي، قصة يتوسلها بناهي لتصوير حالة القمع المزدوج، السياسي والاجتماعي، وهي علاقة حب بين فتاة وشاب، يحول النظام الاجتماعي دون تحقيق حبهما في الخارجي ويحول النظام السياسي دون تحقيقه في الداخلي، والنهايات تكون تراجيدية في الحالتين، وهي إشارة شديدة الواقعية باستدامة كل من النظامين، الاجتماعي تحديداً كونه الموضوع الأساسي للفيلم، “لا دببة”، ولكونه ممتداً في الزمان والتاريخ، وواصل إلى نهايات وأطراف إيران، ما لا يمكن لأي نظام أمني وسياسي الوصول إليه بكل بطشه (الفيلم ذاته صُوّر هناك بالسر). بذلك يضيف بناهي إلى عموم أفلامه الأخيرة، جانباً اجتماعياً هو الممكّن للجانب السياسي في القمع الممارَس، وهو اللاواعي والمتجذر في عقول ونفسيات الناس البسطاء المهمَّشين، بكل الأحوال، من قبل النظام السياسي وخدماته البلدية.

فيلم بناهي هذا، منح سيرته الفيلمية بعداً اجتماعياً وضع أفلامه السابقة، السياسية بالدرجة الأولى، على أرضية ثابتة مقابل تماهي القمعين لتقييد الصناعة السينمائية في إيران، فتداخلَ الواقع بالخيال، في الضد من تداخل الدولة بالخرافة.

 

«لا دببة» لجعفر بناهي… تداخل الدولة والخرافة

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.