سلبُ القصص الإنسانية من أصحابها، وإعادة تقديمها بما يتلاءم مع الجهة المستلِبة، وهي هنا نتفلكس، هو، كغيره، نوع من الانتهاك الثقافي لأصحاب القصة الأصليين. فيلم “السباحتان” مثال واضح على ذلك، إذ لا ترى المنصة الأشهر، في قصته السورية، سوى مادة استهلاكية على شكل فيلم، وهو ما يتطلب إدخال عناصر من خارجها وتنحية أخرى من داخلها، ضمن سياق تعيد تأليفه نتفلكس من خلال مخرجة العمل ومؤلّفَيه، ليكون بصياغة ملائمة لعموم محتوى المنصة في شكله ومضمونه.
القصة شديدة الإنسانية، وهي للسباحتين مارديني وقد لجأتا من سوريا إلى أوروبا، ومضيتا في مشوار لتحقيق الذات. أعيد تركيب القصة لتكون مادة تثير الحزن والغضب والشفقة وأخيراً النهاية السعيدة المبتذلَة في طبيعة أفلام كهذه. هو ما امتازت به المنصة وغيرها من شبيهاتها، كما امتازت بها، ولا تزال، استديوهات هوليوود قبل أن تزاحمها منصات البث هذه. إذ يتم تفريغ القصة الفردية من سياقها الجمعي، ومن إنسانيتها المسلتزِمة تناولاً جدياً وجذرياً لها ولمأساتها، لتصير مادة استهلاك عاطفي تفصل الفردي عن الجمعي وتخرج بالفردي من سياق ومضمون إنساني (ومأسوي في الحالة السورية) ليكون الفرح ودموعه وابتذالاته تفريغياً نهاية الفيلم، كأن القصة في تمامها منفصلة عن مرحلة تاريخية عاشها ويعيشها السوريون تحتوي القصص الفردية ولا تكون هذه الأخيرة بمعزل عنها.
لا يمكن للمأساة أن تسبب ذلك التفريغ العاطفي لدى المشاهد، فهي مستمرة، وإمكانية تسببها به للوصول إلى نهاية سعيدة مفترَضة، يضع الفيلم مع غيره من نموذج أفلام الاستهلاك والترفيه. لتحقيق تلك النهاية السعيدة، كان لا بد من تعتيم السياق السياسي للقصة وتحجيم المأساة الجمعية وتقليص الموضوع بإنجاز فردي معزول عن سياقه. وإن اضطر الفيلم للبدء بإشارات إلى الحالة السورية في حينه، وكان بدءاً مبتذَلاً بكل الأحوال، فلم يكن سوى لخدمة دراما تسطيحية تتصاعد، فكان لا بد، إذن، من تعتيم السياق التاريخي وتسليط الضوء على بقعة واحدة، فتشتد تلك العتمة مع تقدم الفيلم والميلودراما البكائية فيه، لتتلخص المسألة والمأساة كلها بالسباحتين، الشقيقتين، ودرب النجاح والخلاص الأوروبيين، الكافيين لشعور بأن المسألة المعقدة كما بانت بدايات الفيلم قد حُلَّت، درامياً، من خلال حالة فردية نالت، كما تابعها المشاهد وتماهى معها وما عاد يكترث بغيرها، نهايتَها السعيدة.
هذا التسطيح للقصة، في نموذج أفلام أشاعتها، أكثر من غيرها، المنصات، لا يثير شعوراً مزعجاً لمُشاهدها العربي طالما أنه تقصدها وأمكن له إيقافها متى أراد، وطالما أن مواضيعها عموماً إن حملت مآسي فتكون لفئات اجتماعية بعيدة عنه. ما يصعب تقبله هنا، هو حمل مأساة يعرف أحدنا تفاصيل كافية فيها، بل وعاشها وجرّبها، إلى الشاشة بذلك النموذج التسطيحي، بوجهة نظر أوروبية (لمخرجته البريطانية من أصول مصرية سالي الحسيني) تفصل القصة الفردية عن سياقها التاريخي وتأخذ منها، بتغييرات تلائم جهات الإنتاج والتوزيع، ما يجعلها فيلماً غربياً (بريطانياً\أمريكياً) في ما يرونه وكيف يرونه من مآسي المشرق العربي، المتسببين بها تاريخاً وراهناً.
لقصة السباحتين وفريق اللاجئين في أولمبياد عام 2016، وفيه 8 لاعبين من إفريقيا و2 من سوريا، ومنها يصور الفيلم قصة انتقال يسرى مارديني من قلب الحرب والمأساة في سوريا إلى المسابح الأولمبية، لهذه القصة أسباب درامية في نقلها إلى السينما، لكن فقدان الحساسية تجاه مفاصلها وعناصرها وسياقاتها وغياب الوعي السياسي في طرحها، بتهميش للسياسي وتركيز على الإنساني ثم تسليعه، أتى، كل ذلك، باستهلاكيات نتفلكس والذهنية الغربية فيها، فلم تُنقل تلك الحساسية وذلك الوعي على الشاشة، ولم تُوضَع القصة ضمن سياق جمعي يبدأ من حيث يجب ولا ينتهي حيث لا يجب كما فعل “السباحتان” الذي أزاح السياسة جانباً وأبقى على الترفيه.
لا يمكن لمأساة مازالت مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات أن تتلخص بفيلم نجاح فردي يعود أولاً، حسب الفيلم، للخروج من بلد المأساة، وثانياً لانفصالٍ عنها بإنجاز فردي صار في الفيلم أساس القصة وختامها، وثالثاً، وهذا فاضح في الفيلم، لتصوير أوروبا كخلاص فردوسي. مَشاهد “الضيافة” الألمانية للاجئين أتت في سياق لإثارة الشفقة، التي كلما أثيرت أكثر زاد انفراج سعادة المُشاهد النتفلكسيّ نهاية الفيلم، وهي بذلك تثير الاشمئزاز. في الفيلم ما هو أبعد من تصوير استهلاكي لمأساة، فيه دعاية خبيثة للغرب الأبيض، للعالم “المتحضّر”.
