1, الأولى
اكتب تعليقُا

“علم” لفراس خوري… الرمز الفلسطيني في شكله الأوّلي

زادت في الأعوام الأخيرة الأفلام الأولى لمخرجين شباب فلسطينيين أطلقوا مشاريعهم الروائية الطويلة بعد تجارب قصيرة. الميزة الأبرز في عموم هذه الأفلام هي محاولة تمايز كل منها في موضوعاته، تفاوتت الأفلام فيها، وفي جودتها كذلك، وتبقى الجودة ضمن اعتبارات خاصة في حديثٍ عن ظروفٍ استثنائية تخص صناعة الفيلم الفلسطيني، فلا تخصّصات دراسية وصناعية ولا تمويلات كما هو الحال في طبيعته. فلا يصح التعامل مع أفلام صنعها أصحابها ضمن ظروف هي أصعب لشرطها الفلسطيني، عن غيرها، من دون مراعاة لهذا الشرط. كما لا يجب التبرير، بهذا الشرط، الرداءةَ في الصناعة.

هذا الكلام يتعمم على الأفلام الأولى لأصحابها، لجيل سينمائي بدأ يتشكل في العقد الأخير، لاحقٍ لجيل أفلام ما بعد الانتفاضة الثانية. في فيلم فراس خوري، “علم” (ثلاث جوائز في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير هي الهرم الذهبي لأفضل فيلم، وأفضل ممثل، وجائزة الجمهور)، وهو الروائي الطويل الأول له، تنويع على عموم أفلام هذا الجيل، وينسحب على عموم هذه السينما، تنويع في الحكاية والشخصيات، ومحاولة الذهاب إلى مناطق للكوميديا فيها مساحةٌ بارزة، يُحسَب هذا لصاحبه الذي خرج بموضوعه عن أيقونات الفيلم الفلسطيني، مصوّراً أيقونةً وطنية مانحاً إياها اسمَ الفيلم وموضوعه والمحفز الأساسي، وإن بغيابه، لتطور أحداثه.

لا يحضر العلم الفلسطيني بقدر ما يحضر الإسرائيلي، بصرياً لا سردياً. نشاهد علماً إسرائيلياً معلقاً على سطح المدرسة ونسمع كلاماً على تبديل علم فلسطيني به. هي بدايات تمرّد على وضع قائم في علم دولة الاحتلال مرفوعاً على سطح مدرسة، وفي معلّم يدرّس منهاج الاحتلال في محو تاريخ الفلسطينيين وإحلال آخر محله، يقابلها طلاب يافعون يتكشّفون على هويتهم الوطنية، يخططون لإنزال العلم ورفع علم فلسطين مكانه، ويصححون للمعلّم في الصف حول التطهير العرقي والمجازر والتهجير. فكان العلم الفلسطيني غائباً بقدر ما كان الإسرائيلي حاضراً (هو كذلك مطبوع على الورق ومبثوث على التلفزيون)، ما طوّر الشخصيات وحرّض الطلاب.

الفيلم الذي تدور أحداثه حول ذلك التناقض، ما بين دولة الاحتلال ورمزها الأبرز، والشعب المحتَل ورمزه المحظور لسنوات طويلة سابقة، العلم الفلسطيني بألوانه. أيقونات الفيلم الفلسطيني غابت عن الفيلم لأنّ زمانه اختلف عمّا تعوّدناه في السينما الفلسطينية (الحواجز والجدار وما بينهما) ومكانه انحصر في بلدة صغيرة، وكانت الهوية الوطنية آنذاك في مسار تطورها، كانت بسيطة في مقارنتها بما هي عليه اليوم. مجرّد رفع العلم كان “عملية” كما أراد صاحب الخطة تسميتها، كانت فعلاً مقاوِماً لجيل تربّى في بيت من عاشوا فترة الحكم العسكري في الخمسينيات والستينيات، وتعايشوا مع تروما الخوف. حضر العلم الفلسطيني في الفيلم ملخّصاً الأيقونات الوطنية ومستعيداً أيقونةً سينمائية فلسطينية بشكلها الأوّلي.

هذا الانتقال من فترة إلى أخرى في وعي الهوية الوطنية لدى الفلسطينيين، من جيل لآخر لآخر، مثّله اكتشاف الشخصية الرئيسية، تامر، لانتمائه الفلسطيني، بعدما لم يكن مكترثاً بذلك، لا مبالٍ بحالة التأسرل التي يعيشها وربما لا يعيها، تطورت شخصيته بمدى إدراكه لأهمية رفع العلم ولانتمائه الفلسطيني. هو في ذلك شخصية في فيلم بلوغ (Coming-of-age) ينتقل فيه الولد أو البنت إلى عالم جديد يتبع إدراكات تمحو سابقاتها، هي جدلية بين متناقضات داخلية، نفسية واجتماعية، تنقل صاحبها من حالة إلى أخرى، إذ تطغى بعض المتناقضات على غيرها، وهذا ما حصل مع تامر وفلسطينيته.

بلغ الشاب هويته الوطنية وأدركها في نهايات الفيلم، وفي حدث تراجيدي كان مبرِّراً واقعياً من ناحية، ورمزياً من أخرى، لذلك التطوّر. وهذا الحدث التراجيدي، وقد أنهى الفيلم، وما تبعه كانت تشطيبات ختامية، منح قيمةً درامية لفيلم كانت حواراته متكرّرة ومتخفّفة، تملأ المساحات الزمانية، وبنكاتٍ مرمية على أطرافه، منحت الفيلم جانباً كوميدياً بدا تلقائياً في بعض لقطاته وحسب، لكنها كذلك فكّكت سردية العمل في كونها فواصل كثرت، فتَفقد الكوميديا حسّها كما تفقد النكتة معناها بتكرارها. بذلك كانت الحوارات التي تتقدم بها القصّة، عتباتٌ رخوة للوصول في الفيلم إلى نهايته. كأنّ الغاية كانت الوصولَ إلى ذلك المشهد التراجيدي وبلوغَ تامر هويتَه الوطنية، فتعجّلَ ما سبقه.

أحسن المخرج في اعتماد ممثلين هواة في فيلم يحكي عن طلاب مراهقين وتكشّفهم على هويتهم الوطنية، هو في ذلك خرج عن تقليد في السينما الفلسطينية صار رتيباً، في نَسخ الأوجه ذاتها وتكرارها من فيلم لآخر. وأحسن أساساً في الخروج من الزمان الراهن متحرراً بالتالي من إنشاءات استعمارية صارت رموزاً أيقونية في هذه السينما، مستعيداً العلم الفلسطيني أيقونةً وحيدة. لكن لا يُبنى الفيلم على عناصر ضرورية إلا بترابطها وإنشاء علاقة فيما بينها، فتكون نقاطاً ارتكازية في الفيلم، في قصته وتصويره، لا إدخالات من خارجه أو إشارات سريعة مستقرة على السطح. هي كلامية كما هي بصرية، فلم يحمل الفيلم مبرراً لإظهارٍ، وكان متكرراً، لصورة من فيلم “المدرعة بوتمكن” لسيرغي آيزنشتاين، كصورة معلقة في بيت تامر. إحالة سينمائية شديد الرمزية والوطأة كأي لقطة من فيلم آيزنشتاين، لا يمكن أن تمر وتتكرر في مرورها، من دون علاقة جوهرية في العمل المستعيد لها، في سرديته أو مونتاجه الصانع لهذه السردية في حالة الفيلم السوفييتي (والآيزنشتايني). الإحالات الثقافية في السينما تثقل على الفيلم ما لم تكن في موقعها، لا يمكنها أن تكون ديكوراً، كرسياً آخر داخل الإطار. لم يكن هذا، في المقابل، حال أغنية “ذا بارتيزان” لليونارد كوهين، نهاية الفيلم.

بالعودة إلى الأسطر الأولى، والحديث عن عمل روائي طويل أول لفراس خوري، الفيلم إضافة للسينما الفلسطينية في موضوعه وفي خروجه عن تكرارات تمحورت حول عناصر إسرائيلية، أما حضور العلم الإسرائيلي فكان في سياق محاولات نزعه. والفيلم إضافة في خروجه من الزمن الراهن إلى آخر كان الرمز الفلسطيني الأنقى فيه هو العلم، وما لحق ذلك كان تفصيلات تعلو في العمل وتَخفت فيه، تُعلي منه وتُخفض، تنقصها حساسية سردية في عمومها، كلّها، التفصيلات، تأتي تحت عنوان واحد هو الجديد الذي مثّله هذا العمل في المألوف الفلسطيني، في موضوع الفيلم وفي طبيعة الرمز الذي فيه، في شدة الرمز بألوانه الأربعة.

 

«علم» لفراس خوري: الرمز الفلسطيني في شكله الأوّلي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.