1, الأولى
اكتب تعليقُا

“إيو” لجيرزي سكوليموفسكي… الحمار شخصيةً تأملية

يأتي البولندي جيرزي سكوليموفسكي من عوالم سينما الستينيات والسبعينيات، حيث التيارات السينمائية في أوروبا والعالم، والاكتشافات الثورية في حينه والمرجعية اليوم. هو من جيل لم يعد موجوداً سينمائياً، صارت أسماؤه إشارات لأزمنة سابقة وبعيدة. وقد يعود ذلك إلى أن أفضل أفلام سكوليموفسكي كانت في ذلك الزمان، في بداياته، وتحديداً مع “المغادرة” الذي نال “الدب الذهبي” في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 1967، و”نهاية عميقة” عام 1970، و”الصرخة” الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي عام 1978، و”قتل أوّلي” الذي نال جائزة الجمهور في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2010، وغيرها، وصولاً إلى فيلمه الأخير، “EO”، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان.

قديم سكوليموفسكي أفضل من جديده، وإن كان في فيلمه الأخير ما هو مختلف عن عموم الصناعة السينمائية، فبطل الفيلم حمار، ولا يعتقد أحدنا أنه يمثل، بل يتصرف بواقعية، ما يجعل الفيلم يدمج في نوعه الروائي، كما يبينه تمثيل شخصياته الأخرى، الآدمية، عناصر وثائقية كما يبينه اعتماد الفيلم على الحمار في سلوكه الواقعي، وتصوير الفيلم لرحلة الحمار من مكان لآخر، رحلة شديدة الواقعية والتوثيقية. حتى زوايا التصوير كانت، وقد اتخذت في أكثر من لقطة زاوية رؤية الحمار ووجهة نظره، هو الصامت “المترفّع” عن التفاعل مع محيطه، كانت انعكاساً واقعياً غير تقليدي سينمائياً، لما يمكن أن يراه الحمار. لكن العديد من أفلام سكوليموفسكي يحمل انحيازات إنسانية (حيوانية في هذا الفيلم) ضمن قضايا سياسية عالمية أو اجتماعية حقوقية أو غيرها. لا يسقط هذا الكلام على مجمل إنجازه بل بعضه، ما جعل انحيازاته الإنسانية إحدى ثيماته خلال مسيرته الطويلة. وهي مسيرة امتازت بصناعة بصرية ملفتة، ومتفاوتة من فيلم لآخر.

يصعب المرور بالفيلم من دون إحالته إلى آخر هو “بالتازار” (1966) لروبير بريسون، بفرادة “البطل” في كليهما وهو الحمار، وللمسيرة التي يخضع لها الحمار على طول الفيلم، ففي كلا الفيلمين يتنقل الحمار من مالك لآخر، في مرحلة تعذيب أو مضايقة مختلفة، يمارسها الآدميون على الحيوان، إنما في سياق عتيق في الأول، وهو مأخوذ عن فقرات من رواية “الأبله” للروائي الروسي فيودور دوستويفسكي، في سياق معاصر في الثاني، بإحالات دينية في الأول، وبفوضى وتناقضات الحياة الحديثة والمدينية في الثاني. العنف الذي يتعرض له الحمار في فيلم أنجز قبل قرابة نصف قرن (مقالة لكاتب هذه الأسطر عن “بالتازار” نشرت في “القدس العربي” في 13 أكتوبر 2017) يتكرر في ذاته، وإن كان بديكورات وسياقات اختلفت بما يلائم مرور نصف قرن.

الفيلم عبارة عن رحلة في حياة الحمار، فيلم طريق زماني/مكاني لحمار متنقلاً، بلا حول ولا قوة، من مالك لآخر، من سيرك إلى مزرعة إلى مقهى، ينال ضرباً مبرحاً من فريق كرة قدم أهوَج لأن الفريق الفائز كان علّق على رقبته شالاً بألوان الفريق، محتفلين به. وعلى ذلك نقيس معاناة حيوان مع إنسانية الآدمي، أو آدمية الإنسان، فلا فرق هنا في التوصيفات والتسميات، طالما أن السلوك واحد، ممتد من رواية دوستويفسكي إلى فيلم سكوليموفسكي، مروراً ببريسون وآخرين سبقوا هؤلاء المؤلفين وزامنوهم في تصوير معاناة حمار (هو تحديداً من بين باقي الحيوانات) مع السلوك الآدمي متمثلاً في مشجعي كرة قدم هائجين ومهزومين وناقمين.

الفيلم مقل بكلامه ومركّز على الحمار، بصمته وملامحه التي تبدو ثابتة، والتي يمكن أن تكون ساخرة أو متألمة أو مستغربة، وإن لم تتغير، ضمن مَشاهد الفيلم وشكله المونتاجي. وفي الفيلم لقطات ملفتة بصرياً، كأنها صور فوتوغرافية ثابتة تبرّر القلة في الكلام وتعطي مساحة أكبر للتأمل، كأنّ أحدنا، أمام الشاشة، يتأمل لقطات الفيلم أثناء مشاهدة الحمار في سياقها، كأننا نتماهى في ذلك مع الحمار متأمّلاً كاميرا سكوليموفسكي القريبة منه، ساخراً من هؤلاء الآدميين، كأنه من يشاهدنا لا العكس، كأنه من يحاول فهم سلوكنا، لا العكس.

 

فيلم «EO» للبولندي جيرزي سكوليموفسكي: الحمار شخصيةً تأملية

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.