1, الأولى
اكتب تعليقُا

“مثلث الحزن” لروبن أوستلند… الرأسمالية في أعلى مراحلها

كأن المخرج السويدي روبن أوستلند يخلق بأفلامه الثلاثة الأخيرة أسلوباً خاصاً به، وتحديداً أكثر، بفيلميه “المربع” (٢٠١٧) و”مثلث الحزن”، وكلاهما نال السعفة الذهبية في مهرجان كان، الأول في عامه، والأخير هذا العام في الدورة الأخيرة من المهرجان. في الفيلمين انسجام أسلوبي يمكن لأولهما أن يكون مرجعياً في بعض مشاهد الأخير. هو كذلك انسجام موضوعاتي، في الأول كانت مساحته الأساسية المتحف وفي الأخير كانت اليخت. أما أول الأفلام الثلاثة، “قوة قهرية” (٢٠١٤) فكان ممهداً أسلوبياً وموضوعاتياً للتاليين.

في أفلامه الثلاثة، قدم أوستلند مجتمعاً كوزموبوليتياً، أوروبياً مركزياً، أبيض، برجوازي، مانحاً كلاً من الأفلام الثلاثة ضمن المشتركات تلك، خصوصيات تُكوّن موضعَ الانتقاد في كل فيلم، في الأول العائلة والذكورية، وفي الثاني الاستهلاك والرياء، وفي الثالث، وقد وصل في لذاعة سخريته (السينيكاليّة) إلى أقصاها، كانت التفاهة لفئةٍ فاحشة الثراء، وقد تخطى المخرجُ  البرجوازية التقليدية كموضع لانتقاده.

فيلمه الأخير، الذي يستهل عروضه التجارية في العالم، من فرنسا التي نزل أخيراً إلى صالاتها، مُقسّم إلى ثلاثة أجزاء، في الأول يصور سخافة الخلافات ما بين كارل ويايا، عارضَي أزياء متصاحبين، يختلفان على دفع فاتورة مطعم، هي تنال هدايا من الشركات لكونها “مؤثرة” على الإنستغرام، وهو يطمح لتحسين صفته كعارض أزياء. في القسم الثاني يكونان مدعوّين إلى رحلة بحرية على متن يخت، مع نزلاء متعددي الجنسيات وفاحشي الثراء، ومن خلالهما وغيرهما، تحصل مفارقات في السلوك والأحاديث، مظهراً، الفيلم، هذه الطبقة في مدى استسهال استعبادها لغيرها، العاملين في اليخت مثلاً. في القسم الثالث، وقد انفجر اليخت وغرق، نجا البعض، فيمضي أيامه على جزيرة، في محاولة للبقاء على قيد الحياة، بصيد السمك، بعد حياة البذخ التي غرقت مع اليخت.

لم يترك الفيلم مشهداً دون تمرير انتقاد أو سخرية من عقليات وسلوكيات وأقوال هذا المجتمع المتداخل ببعضه، وإن كان الصاحبان على طرفه، كشابين يحاولان الدخول إلى عالم الموضة والاستهلاك، ليكون على الطرف الآخر الأثرياء أصحاب شركات في تصنيع القنابل أو “الخراء” كما يكرر أحدهم في إشارة لتصنيع الأسمدة. الوحيد الذي كان بصوت موزون رغم حالة السكر التي طالت عنده، هو الكابتن، قائد اليخت، الذي طلب وجبة البرغر مقابل الطلبات العجيبة من الوجبات المزخرفة للنزلاء، وكان الوحيد الذي بقي على طاولته يكمل عشاءه بعد انهيارات دوار البحر الذي أصاب الجميع، في حفلة استفراغ جماعي هو أكثر ما مثّل هذه الفئة في الفيلم، في ليلة مبارزة أقوال مأثورة عن الاشتراكية مقابل صانع “الخراء” الذي كبر في روسيا الاتحاد السوفييتي وغنيَ من بعد انهياره، مادحاً السياسيين البريطانيين والأمريكان ورأسماليتهم، متخذا أقوالهم حِكماً له.

في القسم الأول يمهد أوستلند للأجواء التي سيصورها في التالي، ساخراً من أوساط تسعى للثراء في مجتمع رأسمالي بصيغته الراهنة حيث تكثر الأموال افتراضياً دون قيمة للعمل فيها، متخذاً من الموضة والعاملين فيها وسطاً للسخرية، مصوراً تفاهة الأحاديث والمشاعر والصور الانستغرامية. في القسم الثاني، وهو الأساسي في الفيلم، رفع المخرج نقده إلى درجة السخرية المحطّمة لقيم طبقة منفصلة عن العالم ومساهمة في دماره، تغنى على حروبه ومجاعاته، وليس ذلك بمقابلته مع آخرين من طبقة وسطى وعاملة، أو حتى مع فقراء، بل مع من حضر في القسم الأول، كارل ويايا الراغبين بثراء ما من خلال عرض الأزياء، الطامحين بمكانة كأي من هؤلاء النزلاء في اليخت. لم يكن التناقض جوهرياً بين النزلاء والصاحبين، لكنه كان كافياً ليوفر مادة فظيعة من السخرية وكان أساساً تمهيدياً لما سيليه. أما الجوهري في التناقض فقد تركه المخرج إلى القسم الثالث، حيث عادت البشرية إلى أصلها، بعيداً عن امتيازات الأثرياء الممكن فقدانها بقنبلة واحدة، هم صنّعوها وورّدوها إلى بلاد الفقراء.

في جزيرة معزولة، حيث يتساوى الجميع، القيمة العليا تكون للعمل، للقدرة البشرية، فتصير عاملة التنظيف في الحمّامات في اليخت، الكابتن على الجزيرة لأنها التي استطاعت صيد سمك وأخطبوط وإشعال نار ليتناول الجميع عشاءه. صارت الآمرة الناهية لكن كذلك مع امتيازات منحتها لنفسها، ألغت الظروف التي أمكن لها أن تساوي بين الجميع لتتخذ لنفسها، منتقمة،  مكانة فاحشي الثراء على اليخت، وقد تحول هؤلاء إلى أتباع على الجزيرة. في هذا القسم أخذ المُخرج التناقض إلى أقصاه وعاد بشخصياته في كل طبقاتها الاجتماعية، إلى أصول البشرية في حالة يمكن للقمة اخطبوط أن تسبب شجاراً مميتاً أو خضوعاً تاماً.

“مثلث الحزن” (Triangle of Sadness) يحمل أن يكون كوميديا ساخرة يمكن أن يستقر مُشاهدها على سطحها ويخرج من الصالة وقد ضحك كثيراً فيها، ويكفيه ذلك لأمسيته، ويحمل الفيلم كذلك أن يكون استعادة للطبيعة البشرية في تطور علاقات القوة فيها ونشوء طبقة من أصحاب المصالح والاستغلاليين أصحاب ثروات تراكمت على ظهور آخرين سينقلب اليخت والحال ويستبدل هؤلاء وأولئك المواقع، ويحمل أن يكون نقداً لاذعاً لمجتمع رأسمالي تُختصر قيمة الفرد فيه برصيده في المصارف وبعدد الأتباع في انتسغرام، وبمن يدفع فاتورة العشاء. يستطيع الفيلم أن يكون بكل ذلك، تمهيداً معاصراً وساخراً وخفيفاً، لمن يود أن يطّلع على كتاب صغير اسمه “البيان الشيوعي”.

«مثلث الحزن» للسويدي روبن أوستلند: الرأسمالية في أعلى مراحلها

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.